الموقع الرسمي للشيخ الدكتور خالد الحايك

«النَّقد الجَليّ والدّرّ النقيّ» في بيان أنّ «أبا قتادة» في رواية البصريين هو: «العَدويّ».

 

«النَّقد الجَليّ والدّرّ النقيّ»

في بيان أنّ «أبا قتادة» في رواية البصريين هو: «العَدويّ»

«كَشف الإِبهام، وتصحيح الأَفهام» للالتباس في نِسبة بعض الرواة والوقوع في الأوهام!

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على النبيّ الأمين، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين، أما بعد...

فقد روى يونس بن عبدالأعلى الصدفيّ الإمام، قال: سئل ابن عيينة عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استجمر فليوتر»؟

فسكت ابن عيينة فقيل: أترضى بما قاله مالك؟

قال: وما قال مالك؟ قال: قال: "الاستجمار الاستطابة بالأحجار".

قال: فقال ابن عيينة: إنما مثلي ومثل مالك كما قال الأوّل:

وَابنُ اللَّبُوْنِ إِذَا مَا لَزَّ فِي قَرْنٍ // لَمْ يَسْتَطِعْ صوْلَةَ البزْلِ القَنَاعِيْسِ

استمعت لصوتية لطالب علم عنونها بـ «التمييز بين أبي قتادة الأنصاري وبين أبي قتادة العدوي»، وهذه مسألة مهمة في معرفة التمييز بين الرواة التي تشابهت أسماؤهم أو كناهم أو كانت هذه الأسماء مهملة وخاصة بين الصحابة والتابعين؛ لأن الأمر يتعلق بالوصل والإرسال وهي من أهم مسائل التعليل في الحديث.

وأهم ما يتعلق بهذه المسألة هو النسبة للراوي سواء في الاسم أو الكنية، وخاصة إذا كانت الكنية مشهورة.

وقد نبّه بعض أهل العلم إلى مثل هذه الأخطاء التي تقع في نسبة بعض الكنى!

فقد يُروى الحديث عن رجل له كنية مشهورة، فينسبه بعضهم، واعتمادًا على هذه النسبة يُخَرَّجَ أصحاب المَسَانِيدَ حديثه فِي مُسْنَدِ الصَّحَابِيِّ المشهور بتلك الكنية؛ لِاشْتِبَاهِ الكُنْيَةِ المَجْرَدَةِ بينهما.

وكنت قد كتبت بحثًا طويلًا في بيان خطأ نسبة «أبي قتادة» الوارد في حديث تكفير صيام عرفة وعاشوراء، سميته: «كشفُ الغِطاء عن علّة حديث فضل صوم يومي عرفة وعاشوراء».

وأزعم أنّي قدمت الأدلة والقرائن التي تجعل طالب العلم يتيقّن بأن نسبته بأبي قتادة الأنصاري الصحابي خطأ، والصواب أنه: «أبو قتادة العدوي البصري التابعي».

وهذا لم يَرُق لكثير من طلبة العلم كونه خالف المعهود والمعروف عندهم من تصرفات أهل العلم، وحاول بعضهم الرد على ذلك البحث، فلم يستطيعوا رد تلك الأدلة – بفضل الله-.

ومسألة بيان وجه الحقّ مطلوب من الجميع؛ لصيانة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لكن بالحجة والدليل والبرهان: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111].

فالدَّعْوَى شيء، والدَلِيل وَالحُجَّة شيءٌ آخر.

وهناك من الإخوة من يرد من أجل الرد أو من أجل هوىً في النفس، وهؤلاء نتمثل فيهم قول البُلقينيّ الشافعيّ: "الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض" – فنعوذ بالله من حال هؤلاء.

وسبب صوتية الأخ المُعترِض: التمييز بين أبي قتادة الصحابي وبين العدوي؛ لأنه سمّاها: "التمييز بين أبي قتادة الأنصاري وبين أبي قتادة العدوي" = وهي حقيقة ما هي إلا للرد على العبد الفقير في بحثه المُشار إليه.

فبدأ صوتيته بقوله: "​جنح بعض أهل العصر إلى [لم يتم العبارة وهذا كثير في صوتياته لا يتم العبارة!] وذهب إلى هذا غير واحد إلى أن أبا قتادة الوارد في هذا الخبر هو أبو قتادة العدوي".

ولا يضرنا أنه لم يُسمّنا؛ لأنه -هداه الله- ينقم علينا بسبب ردودي عليه مِرارًا في أشياء يُرسلها لي بعض الإخوة ممن يتابعونه!

وقوله: "غير واحد" إن كان قصد من تبعني فنعم، وإلا فهذا تهويشٌ منه وغمط للحقّ؛ لأني كنت أول من ذهب إلى هذا ولم يسبقني أحد إلى ذلك! – وهذا من التحدث بنعمة الله -.

وها هنا طُرفة ذكرها لي بعض أصحابنا من تونس – أرسل إليّ قائلًا: "يوجد شيخ فاضل منقطع عن مواقع التواصل، قلت له إن الدكتور الحايك يقول: أبو قتادة هو العدوي لا الأنصاري فقال لي: (كأن الدكتور الحايك متأخر في التعرف على علة الخبر!!! أنا أعرف طلبة علم حدثوني بهذا من سنوات) = يريد طلبة علم من تلاميذه، وأنا ضحكت من هذا، ويغلب على ظني أني أعرفهم وهم أصلًا يتابعون فضيلتك فهم حدّثوه بهذا فظن أنَّ هذا من كيسهم".

وكنت قد أشهرت بحثي الأوليّ في المسألة سنة (2009م)، وحصل بيني وبين الأخ الحبيب أبي المُظفّر السنّاري مناظرة طويلة حول هذا البحث على صفحات ملتقى أهل الحديث حينها.

والأخ المُعترِض – هداه الله – في صوتيته هذه حاول نقض قاعدة كلية لإمام الأئمة في الجرح والتعديل يحيى بن معين الذي لم يكتب أحد الحديث مثل ما كتب، وقدّمه بعض الأئمة على أحمد.

قال مُحَمَّد بن رَافِعٍ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ يَقُوْلُ: "كُلُّ حَدِيْثٍ لاَ يَعْرِفُهُ يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، فَلَيْسَ هُوَ بِحَدِيْثٍ".

وقَالَ عَبْدُالمُؤْمِنِ النَّسَفِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا عَلِيٍّ صَالِحَ بنَ مُحَمَّدٍ: مَنْ أَعْلَمُ بِالحَدِيْثِ: يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، أَوْ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ؟

فَقَالَ: "أَحْمَدُ أَعْلَمُ بِالفِقْهِ وَالاخْتِلاَفِ، وَأَمَّا يَحْيَى، فَأَعْلَمُ بِالرِّجَالِ وَالكُنَى".

وَقَالَ أَبُو الحَسَنِ ابنُ البَرَاءِ: سَمِعْتُ عَلِيّاً يَقُوْلُ: "لاَ نَعْلَمُ أَحَداً مِنْ لَدُنْ آدَمَ كَتَبَ مِنَ الحَدِيْثِ مَا كَتَبَ يَحْيَى".

وقَالَ أَحْمَدُ بنُ عُقْبَةَ: سَأَلْتُ يَحْيَى بنَ مَعِيْنٍ: كَمْ كَتَبتَ مِنَ الحَدِيْثِ؟ قَالَ: "كَتَبْتُ بِيَدِي هَذِهِ سِتَّ مائَةِ أَلْفِ حَدِيْثٍ".

وقَالَ صَالِحُ بنُ أَحْمَدَ الحَافِظُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللهِ مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِاللهِ، يقول: سَمِعْتُ أَبِي يَقُوْلُ: "خَلَّفَ يَحْيَى مِنَ الكُتُبِ مائَةَ قِمَطْرٍ، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ قِمَطْراً، وَأَرْبَعَةَ حِبَابٍ شَرَابِيَّةٍ مَملُوءةٍ كُتُباً".

وأكبر إشكالٍ في مثل هذه الصوتيات التي تُلقى على الطلبة أنهم أو كثير منهم لم يطلعوا أو يقرؤوا الرأي الآخر وأدلته!

فالأصل في الرد العلمي أن يأتي صاحبه بكلام الخصم وحججه ثم الكرّ عليه نقضًا وبيانًا لا أن يتكلم هكذا دون معرفة المستمع والمتابع رأي خصمه!

لكن ماذا عسانا أن نقول! وسيتبين للقارئ أن هذه الحجج والحجاج لا تساوي فلسًا عند التحقيق العلمي.

وهذه الصوتية فيها تكرار كثير وعدم ترابط بين الحجج التي ذكرها، حيث أنك أحيانًا تتوه في معرفة ما الذي يريده!

والأصل في البحث العلمي أن يكون مترابطًا بحيث يفهم القارئ أو المستمع ما الذي يريده صاحبه = وهذا يُفصح عن مدى قدرة الباحث العلمية وتقديم حُججه، والرد على حُجج المخالف.

وسأناقش أهم ما جاء في صوتيته تلك ضمن نقاط منهجية:

*أولًا: دعواه التحرير – وسنرى مدى صحة هذه الدعوى!

قال في بداية صوتيته: "فهذا بحث في تحرير نسبة أبي قتادة الذي روي عنه الحديث المشهور وفي صيام يوم عرفة وصيام يوم عاشوراء وصيام يوم الاثنين، وتحديد من هذا؟ هل هو أبو قتادة الأنصاري وهو مدني قديم، صحابي اسمه الحارث بن ربعي، صحابي جليل شهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفي سنة ثمان وخمسين بالمدينة".

قلت: لم أجد هذا التحرير المزعوم، وإنما وجدت ما سيتبين للقارئ وهنه، وضعفه، وتناقضه!

فالأصل في التحرير أن يكون قائم على أدلة علمية منهجية، وما قاله في صوتيته أشياء قد ذكرتها في أصل بحثي، وبيّنت ما يتعلق بها من أمور!

ويظهر لنا هذا في قوله: "هو أبو قتادة العدوي، واسمه تميم بن بن نُذير أو نَذير، ينظر كيف يضبط".

فهو يزعم أنه يُحرر في هذه المسألة، فأين التحرير وأنت لم تضبط الاسم مع أن ضبطه مشهور بين طلبة العلم! ولو أنه راجع أي كتاب من كتب الضبط – وهو يُحرر على رأيه – لوجد أن أهل العلم ضبطوه بالضم مُصغرًا: "نُذير"!

*ثانيًا: التعرض لأشياء في هذا المقام والسياق، ولا علاقة لها بأصل الرد! والتناقض فيها!

ككلامه على سماع أبي قتادة العدوي من عمر!

قال في صوتيته: "هذا الحجة على ما ذهبوا إليه وأبرز ما يعتمد في هذا على أن أبا قتادة هذا هو العدوي: ما حكاه يحيى بن معين في سؤالات الدوري أنه قال: «ما روى ابن سيرين عن أبي قتادة وما رواه أهل البصرة فهو عن أبي قتادة العدوي»، وهذا نص عام.. هذا نص عام فيه بيان أن يحيى بن معين يجنح إلى أن ما رواه أهل البصرة عن أبي قتادة فهو العدوي.

وهذا نص عام، فإن أبا قتادة [!!] البصرة قد رووا عن جماعة منهم عن أبي قتادة، هل كل ما روى أهل البصرة عن أبي قتادة يكون هاهنا هو العدوي؟

نقول في مثل هذا: أولاً لا بد أن نميز مثلاً بين طبقة أبي قتادة الأنصاري وبين أبي قتادة العدوي، هذا تابعي وليس ولم تثبت له صحبة.. ولم تثبت له صحبة، فلما نظرنا ففتشنا في حديثه وجدنا أنه يروي عن البصريين وأيضاً ليس ممن له رحلة، ليست له رحلة فيما علمنا في ذلك.

وقد سمع من عمر، وهذا ذكره بعض من ترجم في ترجمته، والحجة في سماعه من عمر ما جاء عند البيهقي في السنن، قال: «أتانا كتاب عمر فأمرنا بثلاث»، وفيه قال: «ومن جمع بين الصَّلاتين فقد أتى باباً من أبواب الكبائر» أو كما جاء عنهم.

فالحجة والله تعالى أعلم على من أثبت سماع أبي قتادة من عمر هذا الأثر.. هذا الأثر، من جهة أن أنه كان وصل لهم كتاب عمر.

وهل قوله: «أتانا كتاب عمر» يعني يحتمل معنيين:

المعنى الأول: أنه أتاهم فسمعوه وقرؤوه.

والمعنى الثاني: قوله: «أتانا كتاب عمر» أي أتى أهل البصرة.

والمعنى الأول أشبه والله أعلم.. المعنى الأول أشبه؛ لأن أبا قتادة قديم السماع.. لأن أبا قتادة قديم السماع، وقد أدرك عمران بن حصين.. وقد أدرك عمران بن حصين، وحديثه عنه في الصحيحين، وقد أسنده عنه العدويون.. وهذه مسألة مهمة، والعدويون أسندوا عن أبي قتادة أحاديث، يأتي تمييزهم وذكرهم وذكر شيء من متعلق في روايتهم عن أبي قتادة" انتهى.

قلت: أتى بحجتي – وإن عبّر بقوله: ما ذهبوا إليه، وإنما أنا واحد – وهو قول ابن معين، ولم يُبيّن شيئًا إلا أنه قال بأنه لا بد من التمييز بين طبقة أبي قتادة الأنصاري، وبين أبي قتادة العدوي!

وهذا عجيبٌ! فأهل العلم متفقون على أن هذا صحابي، وذاك تابعي! فما شأن هذا بمقولة ابن معين؟

وقول ابن معين هو تنبيه منه: إذا وجدت رواية من بصري عن أبي قتادة، فاعلم أنه التابعي العدوي البصري لا الصحابي المشهور، حتى لا يخلط بعضهم بينهما لا لأنهما من الطبقة نفسها، فالجميع يعرف أن طبقتهما مختلفة، ولكن الإشكال في أنه إذا أُطلق أبا قتادة فالذهن يذهب إلى العدوي، فقد يظنّ بعضهم أن رواات البصريين عن أبي قتادة أنه الصحابي المشهور.

وتطرّقه للكلام على سماع العدوي من عمر لا علاقة لها بما نحن فيه من نزاع!

وقد عرضت في أصل البحث في ترجمة العدوي إلى من قال بأن له صحبة، وكذلك لسماعه من عمر، وبيّنت أنه أدرك زمان عمر لكن لم يسمع منه.

لكن الخصم ذهب إلى ثبوت سماعه من عمر!

ولو سألناه ما معنى السماع؟ لقال: "يعني رآه وسمع منه".

فإذا كان كذلك، فكيف يتوافق هذا مع قوله: "فلما نظرنا ففتشنا في حديثه وجدنا أنه يروي عن البصريين وأيضاً ليس ممن له رحلة، ليست له رحلة فيما علمنا في ذلك"؟!

فإذا لم تكن له رحلة لعمر، فكيف نجزم بأنه سمع منه؟!

ثُم نسب إلى من أثبت سماعه من عمر بوصول كتاب عمر إليهم!

وهو لم يذكر من الذين أثبتوا سماعه من عمر بهذا الكتاب؟!

حتى البيهقي الذي روى هذا الأثر لم يجزم بما ذهب إليه الخصم في تفسيره لورود هذا الكتاب حيث نقل: «أتانا كتاب عمر»! ثم ذهب لتفسيره بأنه أتاهم يعني في حياة عمر وسمعوه.

والذي عند البيهقي في «السنن الكبير» (3/241) من طريق يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ، عَنْ يَحْيَى بنِ صُبَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بنُ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ - يَعْنِي العَدَوِيَّ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - كَتَبَ إِلَى عَامِلٍ لَهُ: «ثَلَاثٌ مِنَ الكَبَائِرِ: الجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إِلَّا فِي عُذْرٍ، وَالفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَالنّهبَى».

قال البيهقي: "أَبُو قَتَادَةَ العَدَوِيُّ أَدْرَكَ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَإِنْ كَانَ شَهِدَهُ كَتَبَ فَهُوَ مَوْصُولٌ، وَإِلَّا فَهُوَ إِذَا انْضَمَّ إِلَى الْأَوَّلِ صَارَ قَوِيًّا" = يعني مرسلًا كالذي قبله.

فأين أن عمر كتب إلى أهل البصرة؟

هو قال: "كتب إلى عامل له"، ولم يُحدد عامل أي بلد؟

ولهذا قال البيهقي إن كان شهد عمرًا كتب هذا الكتاب = يعني كان بحضرته لما كتبه، وإلا فهو مرسل.

ولو أنه قال كما ذكر الخصم: «أتانا كتاب عمر» = يعني جاءنا ونحن في البصرة وسمعناه لعددنا هذا في مقام السماع في الرواية بحيث نحتج به، لكن لا نثبت له السماع الحقيقي!

فقد روى البخاري في «صحيحه» (7/149) (5828) من حديث شُعْبَةَ، عن قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ، يقول: «أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ، وَنَحْنُ مَعَ عُتْبَةَ بنِ فَرْقَدٍ بِأَذْرَبِيجَانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَهَى عَنِ الحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الإِبْهَامَ، قَالَ: فِيمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ يَعْنِي الأَعْلاَمَ».

وهَذَا الحَدِيثَ أَصْلٌ فِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالكِتَابَةِ، فجاز أن يرويه أبو عثمان النهدي عن عمر؛ لأن كتاب عمر وصل عُتْبَة أَمِير عُمَرَ فِي فُتُوحِ بِلَادِ الجَزِيرَةِ، فقرأه على الناس أن عمر يقول كذا وكذا.

ثُم رجع في آخر صوتيته فناقض نفسه! فقال: "وأسند يحيى بن سعيد وهو القطان عن يحيى بن صبيح، قال: حدثني حميد بن هلال عن أبي قتادة: أن عمر كتب إلى عامل له قال: «ثلاث من الكبائر: الجمع بين الصلاتين إلا من عذر، والفرار من الزحف، والنهبى»، ورواه ابن المبارك في كتاب الزهد.

وهذا أشبه يعني أن يراد أن قوله: «كتب إلينا عمر» ذكرته في أول الصوتية أنها ما يحتمل معنيين، أنه قال: «كتب إلى عامل له» يعني بالبصرة، ولذلك روى هذا الخبر عن عمر أهل البصرة: أبو العالية وغير هؤلاء.

فإما يعني وليس هذا بصريح بسماع أبي قتادة من عمر.. ليس هذا بصريح بسماع أبي قتادة من عمر" انتهى.

قلت: إذا كان هذا ليس بصريح فكيف تنسبه لمن قال بسماع أبي قتادة العدوي من عمر، بل وتجزم به أنت؟!

ثُم ما أدراك أن ذاك العامل لعمر هو عامل البصرة؟!

هل لأن أبا العالية (ت93هـ) رواه وهو بصري؟!

نعم روى قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «جَمْعُ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنَ الكَبَائِرِ».

قال البيهقي: "وَهُوَ مُرْسَلٌ، أَبُو العَالِيَةِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ".

ولعل العامل الذي أرسل له عمر هو أبو موسى الأشعري، فقد روى مُسَدَّدٌ في «مُسنده» من طريق بَكْرِ بنِ عَبْدِاللهِ المُزَنِيّ البصريّ (ت108ه): «أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى: إِنَّ جَمْعًا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنَ الكَبَائِرِ". [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: (2/322) (1584/1)].

وهذا أيضًا مُرسلٌ!

لكن رُوي من قول أبي موسى نفسه!

روى ابن أبي شيبة في «مُصنفه» (8337) عن وَكِيعٍ، قَالَ: حدَّثَنَا أَبُو هِلاَلٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ السَّدُوسِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: «الجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنَ الكَبَائِرِ».

وحنظلة ضعيفٌ، ولم يسمع من أبي موسى.

وأبو موسى (ت42هـ) وَلِيَ إِمْرَةَ الكُوْفَةِ والبَصْرَةَ لِعُمَرَ، فالظاهر أن عُمرًا أرسل له كتابه وهو أمير على الكوفة والبصرة.

ثُمّ رجع المعترض وأشار لرواية ابن أبي حاتم في «التفسير» من طريق خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ حُمَيْدِ بنِ هِلالٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ -يَعْنِي: العَدَوِيَّ- قَالَ: قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ عُمَر: «مِنَ الكَبَائِرِ جَمْعٌ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ، يَعْنِي: مِنْ غَيْرِ عذر».

وهذا نصٌّ في المسألة، ويدلّ على أن كتاب عمر لما قرئ على الناس كان العدوي حاضرًا، وحينها يمكن أن نقول إنه سمع من عمر = أي كتاب عمر.

وما كان ينبغي للمعترض أن يتشتت في هذه المسألة التي هي حقيقة لا علاقة لها بحديثنا ولا بقول ابن معين الذي جهد في نقضه!

*ثالثاً: الانتقائية والإعراض عن مجموع الأدلة والقرائن!

عرضت في بحثي الذي جاء في أكثر من (150) صفحة، وهو مختصر من أصل يربو على (500) صفحة إلى الأدلة والقرائن التي جعلتني أذهب إلى أن أبا قتادة الوارد في الحديث هو التابعي العدوي لا الصحابي. فلم يتعرض الخصم إلا لدليل واحد، وهو قول ابن معين.

وقول ابن معين من أقوى الأدلة، وهو إنما تكلم عليها فقط، لكن لا ينبغي إهمال مجموع القرائن؛ لأنها تؤيد كلام ابن معين.

والقرائن التي ذكرتها في البحث:

1- الحديث لا يُعرف إلا في البصرة.

قال هَمَّام: سُئِلَ عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ - وَأَنَا شَاهِدٌ - عَنْ الْفَضْلِ فِي صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَالَ: جَاءَ هَذَا مِنْ قِبَلِكُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ. حَدَّثَنِيهِ أَبُو الْخَلِيلِ عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ إِيَاسٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كَلِمَةً تُشْبِهُ عَدْلَ ذَلِكَ قَالَ: «صَوْمُ عَرَفَةَ بِصَوْمِ سَنَتَيْنِ، وَصَوْمُ عَاشُورَاءَ بِصَوْمِ سَنَةٍ».

2- نزول بعض أسانيد الروايات عن غيلان بن جرير (ت129هـ)! وأقدم من رواه عنه قتادة (ت118هـ). وغيلان سمع من أنس بن مالك (ت92هـ)، فرواية قتادة عنه قديمة وتوفي قتادة قبله بسنين، ولم ينسب قتادة: "أبا قتادة" في روايته.

ورواهُ عنه شعبة (ت161هـ)، وأبان العطار (ت في حدود الستين ومائة)، ومحمد بن سليم أبو هلال الراسبي (ت167هـ)، وجرير بن حازم (ت170هـ)، ومهدي بن ميمون (ت172هـ)، وحماد بن زيد (ت179هـ).

ونزول الإسناد عادة يكون في المراسيل.

3- تحديث قتادة (ت118هـ) بهذا الحديث عن غيلان (ت129هـ) في حياة غيلان ووفاة غيلان بعده بأكثر من عشر سنين يدل على أن الحديث من باب الفوائد التي يأخذها الأقران أو الشيوخ عن التلاميذ بعضهم عن بعض، ولا تعرف إلا من طريق واحد لهذا يسمعها الشيخ من التلميذ أو القرين من قرينه. 

4- كلّ من سمع الحديث من غيلان إنما سمعه منه في أَواخر حياته باستثناء قتادة، ولهذا كان يشك غيلان في بعض الألفاظ، ومنها: "ذكر الخميس" في بعض الروايات. ومن هنا وافق شعبة في أن أبا قتادة هو الأنصاري لما قال ذلك شعبة له.

5- سمع شعبة - وكان قدم البصرة وهو شيخ- وحماد بن زيد وجرير بن حازم - وهو من أقران شعبة - الحديث من غيلان في الفترة التي سمعها منه شعبة. وحمّاد بن زيد (98 - 179هـ) أشار إلى أنه سمع من غيلان وهو شيخٌ كبير، ولذلك حدّثهم في ذلك بواسطة أيوب السختياني (ت131هـ)، وأيوب كان من أقران وأصحاب غيلان، ولم يرو حديث عرفة عنه.

6- قول حماد إنه سمع من غيلان وهو شيخٌ كبير لا يعني أن غيلاناً ضعيف، ولكن كان أهل العلم يفضّلون السماع من الشيخ قبل أن يكبر ويتقدّم في السنّ؛ لأنه قد ينسى أو يضطرب أو يخطئ، ولا شك أن هذا الحديث فيه إشارات إلى أن غيلاناً كان يشك في بعض ألفاظه، ولهذا عندما سأله شعبة عن أبي قتادة، فقال له: الأنصاري، وافقه. وهذا من شعبة يدلّ على أنه كان شيخاً عارفاً بالحديث، وقد سمع من غيلان وهو شيخ، كما سمعه قتادة من قبل وهو شيخ، وقد روى قتادة وشعبة هذا الحديث؛ لأنه يتعلق بفضل يوم عظيم، ولا يوجد في هذا الباب إلا هذا الحديث، فلذلك روياه. ورواه قتادة في حياة غيلان، وكأنه سُئِل عن صيامه في بعض مجالسه أو غير ذلك فحدّث به عن غيلان. وكذلك شعبة. وقد تتبعت رواية قتادة وشعبة عن غيلان، فلم أجد لقتادة إلا حديثاً آخر بجانب حديث صيام عرفة، وحديثين آخرين لشعبة، وهذا يعني ويؤكد ما قلته بأنهما سمعا منه وهما شيخان عندهما حديث كثير، وحديث عرفة مرغوبٌ كونه في الفضائل، ولا يوجد إلا عند البصريين.

7- لغة الحديث تشبه لُغَةُ المراسيل، والمراسيل تأتي على ما يشتهيه الناس وما يحبونه؛ فجاء في هذا الحديث كلّ أنواع صوم النوافل، وفي بعضها رتّب أجوراً عليها. وليس من هديه صلى الله عليه وسلم أن تكون أحاديثه هكذا وخاصة في الصيام!

8- التصريح من ابن معين أنّ كلّ من روى من البصريين عن أبي قتادة فهو التابعي العدوي.

قال العبّاس بن محمد: سمعت يحيى بن معين يقول: "كلّ شيء يُروى عن ابن سيرين، وعن البصريين، عن أبي قتادة، فهو أبو قتادة العَدوي".

وعبدالله بن معبد الزماني وحرملة اللذان رَويا حديث صوم عرفة عن أبي قتادة بصريان.

9- هناك روايات تدلّ على أن أبا قتادة كان يحدّث بالحديث من قوله ولا يرفعه! وهذا يدلّ على أنه لم يسمعه من صحابي وأنه مرسل.

ففي رواية أَبِي الخَلِيلِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ فِي صِيَامِ يَوْمِ عَرَفَةَ: «يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ».

فضل صيام عرفة كان معروفاً ومنتشراً بين الناس، وكان ينكره أهل العلم من التابعين!

قال سُلَيْمَان الْأَحْوَل: ذَكَرْتُ لِطَاوُسٍ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ أَنَّهُ يَعْدِلُ صَوْمَ سَنَتَيْنِ، فَقَالَ: «أَيْنَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنْ ذَلِكَ؟».

وهذا يدلّ على أنه كان منتشراً بين الناس، فرد ذلك طاوس اليماني (ت106هـ) بأن هذا لو كان معروفاً لروي عن الكبار كأبي بكر وعمر.

وقال حُمَيْد الطَّوِيلُ: ذُكِرَ عِنْدَ الحَسَنِ: أَنَّ صِيَامَ عَرَفَةَ يَعْدِلُ صِيَامَ سَنَةٍ، فَقَالَ الحَسَنُ: «مَا أَعْلَمُ لِيَوْمٍ فَضْلًا عَلَى يَوْمٍ، وَلَا لِلَيْلَةٍ عَلَى لَيْلَةٍ إِلَّا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَإِنَّهَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ..». والحسن من البصرة التي خرج منها حديث فضل صوم عرفة.

11- مما يدل على انتشار هذا الحديث مرسلاً أن بعض التابعين كانوا يروونه دون إسناد.

فروي عن إبراهيم النخعي الكوفي (ت95هـ) أنه قال: «صيامُ عرفة يَعْدِل سنةً قبله، وسنةً بعده».

ورُوي عن مجاهد المكي (ت102) أنه قال: «صيام عرفة يَعدِل سنة قبله، وسنة بعده».

*رابعاً: حكايته الإجماع عن أهل العلم أن راوي الحديث هو: أبو قتادة الأنصاري الصحابي!

قال المعترض: "طيب، مسألة مهمة هاهنا: هل.. ما موقف أهل الحديث من رواية عبدالله بن معبد الزماني البصري عن أبي قتادة هاهنا؟ هل يرون أنه هو العدوي أم أنهم يرون أنه هو الأنصاري؟

نقول في مثل هذا: إن هذا اتفاق أو إن صح أن يحكى الإجماع عليه أن أبا قتادة هذا هو الأنصاري، فحكاية الإجماع هاهنا متجهة؛ بدليل أنهم أوردوه في مسانيد في حديث أبي قتادة، ومن ترجم لعبدالله بن معبد ذكروا أن أبا قتادة هذا هو الأنصاري، وفيهم نص قدماء، وعلى رأس هؤلاء الإمام مسلم والإمام أحمد والحميدي ومن صنف في السنن والمسانيد ممن جمع على الأحاديث المسندة إلى رسول الله صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعامة كلام هؤلاء على أنها أبا قتادة هذا هو الأنصاري.

وأيضاً ممن ينسب، صح أن ينسب إلى أن أبا قتادة هذا هو الأنصاري: الإمام شعبة بن الحجاج، لما روى هذا الخبر عن غيلان بن جرير عن عبدالله بن معبد عن أبي قتادة، قال له: «الأنصاري؟» قال: «نعم». فإذًا شعبة مستحضر هاهنا أن أبا قتادة هذا هو الأنصاري، ولم ينكر ذلك ولم ينقل إنكاره لهذا الخبر وحدث به، ولو كان يراه من قبيل الأغاليط والأوهام لم يحدث به، كما وقع لبعض خبره لما دلس السبيعي حديث حديثه عن عبدالله بن عطاء في الوضوء الذي أسند عقبة بن عامر.

وشعبة ينتقي ونادراً ما يسند الأحاديث المرسلة، عامة حديث شعبة إنما هي أحاديث مسندة، قليل التحديث بالمرسل، فإنه يحرص على الاتصال للسماع، وهذا معروف من صنيعه وشاهد هذا رواياته في كتب السنن، عامتها أحاديث مسندة. إن أتى إلى آثار الصحابة سهل وخفف نوعاً ما، لكن في حديث رسول الله تلاحظ أنه يحرص على الاتصال وعلى الحديث المسند.. وعلى الحديث المسند، وهذا معروف وشاهد هذا موجود في كتب الرواية.

طيب، وعلى رأس هؤلاء شعبة، وهو يدلك على أن القدماء أصلاً ميزوا وكان عندهم تمييز للاشتباه الذي يحصل فيه رواية أبي قتادة العدوي عن أبي قتادة الأنصاري" انتهى.

قلت:

أولًا: جيد أن الخصم قال: اتفاق ويصح أن نحكي الإجماع؛ لأن أحدًا لم يقل هذا.

ولو قبلنا كلامه هذا فهو مخرومٌ بقول ابن معين؛ لأن قوله ناتج عن سبر تام، وإلا لما عمّم في كلامه.

ثانيًا: هل إذا أورد هؤلاء الأئمة حديث عبدالله بن معبد هذا في كتبهم وخاصة المسانيد في «مسند أبي قتادة الأنصاري» هل هذا يدلّ على أنه الأنصاري الصحابي؟

هؤلاء الأئمة يروون الأحاديث كما سمعوها، ويوردونها في مسانيد من ذُكرت عنهم = فكان يجب عليهم أن يوردوه في «مسند أبي قتادة الأنصاري»؛ لأنه جاء منسوبًا إليه في بعض الروايات.

فإيراده في هذا المسند شيء، وصحته شيء آخر!

فقد يكون في الرواية خطأ في نسبة الحديث لمسند صحابي ما، لكن يوردونه بحسب ما وقع لهم في مسند صحابيه.

فإيرادهم هذا لا يعني الإجماع الذي قال الخصم بأنه مُتجّه!

وهنا أصلًا محلّ النزاع بيننا وبينه في إثبات صحة النسبة في هذا الحديث!

وكنت قد دللت في أصل البحث على ما يُشبه هذا، ونلزم به الخصم، لكنه كعادته يحترف التدليس والتعمية على أتباعه، وكان ينبغي عليه الرد على ما قلناه في ذلك، وكذلك حكاية إجماع آخر مثل هذا الإجماع.

قلت تحت عنوان:

"مثال آخر على حدوث النسبة الخطأ في اسم الراوي!

ولهذا نظائر في بعض الأحاديث. فقد أخرج الإمام مسلم في «صحيحه» (4/2196) عن الحَكَم بن مُوسَى، قالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ: حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: حَدَّثَنِي المِقْدَادُ بنُ الْأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ... الحديث».

فعلّق عليه أُستاذنا أسعد تيِّم في كتابه «علم طبقات المحدّثين» تحت عنوان: (فوائد مستفادة من علم الطبقات): "ومنها: الكشف عن بطلان السماع الذي لا يصح"، وذكر من أمثلة هذا (ص87) قال: "قلت: قوله: «سمعت المقداد» خطأٌ شنيعٌ من بعض الرواة، فإن المقداد مات في زمن عثمان، وأما سُليم بن عامر فسمع من أبي أمامة الباهلي (-86)، وجبير بن نفير (-80)، وهذه الطبقة؛ فبينه وبين المقداد طبقتان". انتهى كلامه.

قلت: أصاب أستاذنا في نفيه السماع بين سُليم بن عامر وبين المقداد بن الأسود، فسليم لم يدركه، وبناءًا عليه فإن حديث مسلم هذا منقطع! ولكن هناك مشكلة في إسناد الحديث لم يتنبه لها الأستاذ، والحديث صحيحٌ، والسماع الوارد فيه ليس خطأً شنيعاً كما قال!

وإنما الخطأ في الحديث هو ما جاء فيه: "سمعت المقداد بن الأسود"، والصواب: "سمعت المقدام"، وهو المقدام بن معدي كرب، وقد سمع منه سليم بن عامر، والحديث صحيح، ولا مدخل للمقداد بن الأسود فيه. وقد خَفي ذلك على الإمام مسلم، بل وعلى الإمام أحمد من قبله، فإنه ذكر هذا الحديث في مسند المقداد بن الأسود، وذكره المزي في التحفة في مسنده كذلك، وكلّ ذلك وهم.

قال ابن أبي حاتم في «علل الحديث» (2/218): سألت أبي عن حديث رواه الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر عن سليم بن عامر قال: حدثني المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل؟ قال أبي: "هذا خطأ! إنما هو مقدام بن معدي كرب، وسليم بن عامر لم يدرك المقداد بن الأسود".

فهذا الحديث من بابة حديث أبي قتادة، وقد صححه مسلم على اعتباره أنه من مسند المقداد بن الأسود، وكذا الترمذي، وأورده أصحاب المسانيد في «مسند المقداد بن الأسود» مع أن الحديث من «مسند المقدام بن معد كرب».

فلم أعرض الخصم عن هذا المثال، ولم يُجب عنه؟!

والأمثلة على هذا كثيرة = أقصد أن يورد صاحب المسند الحديث في مسند صحابي، وإنما هو لصحابي آخر بسبب الاشتباه في النسبة أو الكنية!

ومن ذلك:

1- ذكرت في بحثي الموسوم بـ: «عُقُود الزَّبَرْجَد والعَسْجَد في دَفع الوَهمِ عن «الإِمام أَحمد»، تحت عنوان: هل وَهم الإمِام أحمد في ذكره لحديث: «لا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ» في «مسند عليّ بن أبي طالب»؟!

قلت: "أخرج الإمام أحمد في «مسنده» في «مسند عليّ بن أبي طالب» (2/82) (655) قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُالمَلِكِ بنُ مُسْلِمٍ الحَنَفِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَكُونُ بِالبَادِيَةِ فَتَخْرُجُ مِنْ أَحَدِنَا الرُّوَيْحَةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، إِذَا فَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ» وَقَالَ مَرَّةً: «فِي أَدْبَارِهِنَّ».

قال شعيب الأرنؤوط ورفاقه في تعليقهم على «المسند»: "وإدراجُ هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب رضي الله عنه، خطأ، فإنه من مسند علي بن طلق، نَبّه على ذلك ابن عساكر في كتابه «ترتيب أسماء الصحابة» ص 84 وابن كثير في «تفسيره» 1/583".

وقالوا: "ومِنَ الناس من يُورِدُ هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب كما وقع في مسند الإمام أحمد بن حنبل، والصحيحُ أنه علي بن طلق".

وقالوا في موضع آخر (11/310): "وقد ثبت تحريم إتيان النساء في أدبارهن بأحاديث كثيرة: منها حديث علي بن طلق عند ابن أبي شيبة 4/251، والنسائي في الكبرى (9023)، وابن حبان (4199، وقد وهم الإمام أحمد رحمه الله، فجعله من مسند علي بن أبي طالب، وذكره فيما سلف برقم (655)" انتهى.

قلت: نصّوا على أن أحمد وهم فيه.

اتفاق أهل العلم على أن الحديث من «عليّ بن طلق» لا من «علي بن أبي طالب».

قال ابن كثير في «تفسيره» (1/446) - بعد أن ذكر هذا الحديث من «مسند أحمد»: "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُورِدُ هَذَا الحَدِيثَ فِي مُسْنَدِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ كَمَا وَقَعَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلِيُّ بنُ طَلْقٍ".

وقال السندي في «حاشيته على المسند» (1/477): "وقد رواه الترمذي في كتاب النكاح فقال في رواية عن علي بن طلق... ثم قال: ورى وكيع هذا الحديث... فذكره عن قتيبة عن وكيع بسند المؤلف الإمام، ثم قال: وعليٌّ هذا هو عليٌّ بن طلق. انتهى. والظاهر أنه نبّه على ذلك لئلا يتوهم أنه علي بن أبي طالب أو أنه اطلع على توهم بعضهم كالإمام، فنبه عليه، والله تعالى أعلم، وقد ذكره الإمام في مسند علي بن طلق في مسانيد الأنصار، وكذا ذكره أبو داود قبيل باب المذي في أبواب نواقض الوضوء بلفظ مختصر وقال: عن علي بن طلق، والعجب من صاحب «الترتيب» حيث جعل الحديث مما تفرد به الإمام المؤلف مع أنهما أخرجه الترمذي وأبو داود أيضًا، وكأنه نظر في التفرد كونه عن علي بن أبي طالب".

ورواه الترمذي في «جامعه» (2/460) (1166) قال: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِالمَلِكِ بنِ مُسْلِمٍ – وَهُوَ: ابنُ سَلاَّمٍ-، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ».

قال الترمذي: "وَعَلِيٌّ هَذَا هُوَ: عَلِيُّ بنُ طَلْقٍ".

ورواه أيضاً في «العلل الكبير» (ص: 43) (40) عن قُتَيْبَة، وَهَنَّاد، عن وَكِيع، به.

قال الترمذي: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: "لا أَعْرِفُ لِعَلِيِّ بنِ طَلْقٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ هَذَا الحَدِيثِ، وَهُوَ عِنْدِي غَيْرُ طَلْقِ بنِ عَلِيٍّ، وَلَا يُعْرَفَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ طَلْقِ بنِ عَلِيٍّ".

وفي النسخة التي حققها محمود خليل الصعيدي زيادة: "وَعِيسَى بنُ حِطَّانَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ هَذَا الحَدِيثَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، فَقُلْتُ لَهُ: أَتَعْرِفُ هَذَا الحَدِيثَ الَّذِي رَوَى عَلِيُّ بنُ طَلْقٍ مِنْ حَدِيثِ طَلْقِ بنِ عَلِيٍّ؟ فقالَ: لا".

وقال النسائي في «السنن الكبرى» (8/202): "ذِكْرُ حَدِيثِ عَلِيِّ بنِ طَلْقٍ فِي إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ"، ثم روى الحديث عن هَنَّاد بن السَّرِيِّ، عَنْ وَكِيعٍ.

ثم ساقه من طريق أَبي سَلَامٍ عَبْدالمَلِكِ بن مُسْلِمِ بنِ سَلَامٍ، وعَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، كلاهما عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بنِ سَلَامٍ، عَنْ عَلِيِّ بنِ طَلْقٍ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الحديث.

وذكر أصحاب كتب الصحابة هذا الحديث في ترجمة «عَلِيّ بن طَلْقِ بن المُنْذِرِ بنِ قَيْسِ بنِ عَمْرٍو بنِ عَبْدِاللهِ بنِ عَبْدِ العُزَّى بنِ سُحَيْمِ بنِ مُرَّةَ بنِ الدُّولِ بنِ حَنِيفَةَ».

وقال الطبري في «تهذيب الآثار – مسند علي» (3/274): "خَبَرٌ إِنَّمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عَنْ عَلِيِّ بنِ طَلْقٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ".

ثم ذَكَرَ مَنْ رَوَى هَذَا الخَبَرَ عَنْ عَلِيِّ بنِ طَلْقٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وذكر ابن الجوزي حديث أحمد عن وكيع في «جامع المسانيد» (6/166) (5528) في «مسند علي بن أبي طالب».

وذكره المزي في «تحفة الأشراف» (7/471) في «مسند علي بن طلق اليماميِّ».

وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/243) (1256): "(وَعَنْ عَلِيٍّ - يَعْنِي ابنَ أَبِي طَالِبٍ - قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...». رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بنِ طَلْقٍ الْحَنَفِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ قَبْلَهُ كَمَا تَرَاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ".

وقال ابن حجر في «إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي» (4/474) (6400)، و«إتحاف المهرة» (11/626) (14760): "(أَحْمَدُ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِالمَلِكِ بنِ مُسْلِمٍ الحَنَفِيِّ، عَنْ أَبِيهِ.

قُلْتُ: الَّذِي يَتَبَادَرُ إِلَى ذِهْنِي: أَنَّ عَلِيًّا رَاوِي هَذَا الحَدِيثِ هُوَ: عَلِيُّ بنُ طَلْقٍ الْحَنَفِيُّ، فَإِنَّ الرَّاوِيَ عَنْهُ حَنَفِيٌّ أَيْضًا، وَالحَدِيثُ مَعْرُوفٌ مِنْ طَرِيقِهِ، وَلَكِنْ كَذَا وَجَدْتُهُ فِي مُسْنَدِ: عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ".

وقال في «التلخيص الحبير» (1/653): "قَوْلُهُ – أي الرافعي -: «لِمَا يُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ»، هَكَذَا نَسَبَهُ فَقَالَ: عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ غَلَطٌ، وَالصَّوَابُ: عَلِيُّ بنُ طَلْقٍ، وَهُوَ اليَمَامِيُّ، كَذَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِهِ: أَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ: «لَمْ يَقُلْ فِيهِ: وَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ، إلَّا جَرِيرُ بنُ عَبْدِالحَمِيدِ»، وَأَعَلَّهُ ابنُ القَطَّانِ بِأَنَّ مُسْلِمَ بنَ سَلَّامٍ الحَنَفِيَّ لَا يُعْرَفُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: قَالَ البُخَارِيُّ: لَا أَعْلَمُ لِعَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ ولا أعرف هذا مِنْ حَدِيثِ طَلْقِ بنِ عَلِيٍّ كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ هَذَا رَجُلٌ آخَرُ، وَمَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ إلَى أَنَّهُمَا وَاحِدٌ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَرَاهُ وَالِدَ طَلْقِ بنِ عَلِيٍّ".

وقال البُلقيني في «البدر المنير» (4/99) - عند ذكره لهذا الحديث: "تَنْبِيه: وَقع فِي بعض نسخ الرَّافِعِيّ بدل عَلّي بن طلق: عَلّي بن أبي طَالب، وَهُوَ من النَّاسِخ فاجتنبه".

قلت: لم يُشر ابن حجر إلى اختلاف في نسخ كتاب الرافعي، فالله أعلم!

وقال البلقيني في موضع آخر (7/653): "وَرُوِيَ النَّهْي عَن ذَلِك أَيْضاً من حَدِيث جماعات من الصَّحَابَة:... وَعلي، وَعلي بن طلق، وطلق بن عَلّي"، ثم قال: "وَأما حَدِيث عَلّي؛ فَأخْرجهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» من حَدِيث عبدالملك بن مُسلم الحَنَفِيّ، عَن أَبِيه، عَنهُ مَرْفُوعاً... وَأما حَدِيث عَلّي بن طلق...".

وساق الخطيب هذا الحديث في ترجمة «عبدالملك بن مسلم» من «تاريخه» (12/140) ساقه من طريق شَبَابَة بن سَوَّارٍ، عن عَبْدالمَلِكِ بنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بنِ سَلامٍ، عَنْ عَلِيٍّ.

ثم ساقه من طريق أحمد من «مُسْنده» عن وكيع.

ثم قال: "هكذا روى هَذَا الحديث وكيع بن الجراح، عن عبدالملك بن مسلم، عن أبيه، ولم يسمعه عبدالملك من أبيه، وإنما رواه عن عيسى بن حطان، عن أبيه مسلم بن سلام كما سقناه عن شبابة عنه، وقد وافق شبابة: عُبيدالله بن موسى، وأبو نُعيم، وأبو قتيبة سَلْم بن قتيبة، وأحمد بن خالد الوهبي، وعلي بن نصر الجهضمي، فرووه كلهم عن عبدالملك، عن عيسى بن حطّان، عن مسلم بن سلام. وعليّ الذي أسند هذا الحديث ليس بابن أبي طالب، وإنما هو: علي بن طلق الحنفي، بيّن نسبة الجماعة الذين سميناهم في روايتهم هذا الحديث عن عبدالملك، وقد وَهم غير واحد من أهل العلم فأخرج هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

2- أخرج أحمد في «مسند زيد بن خالد الجهني» من «مُسْنده» (28/286) (1705) قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بنِ عُبَيْدِاللهِ بنِ مَعْمَرٍ، عَنْ بُسْرِ بنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبُو جُهَيْمٍ ابْنُ أُخْتِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، أَسْأَلُهُ مَا سَمِعَ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَأَنْ يَقُومَ أَرْبَعِينَ - لَا أَدْرِي مِنْ يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ - خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ».

قال ابن أبي خيثمة في «تاريخه» (1/289) (1014): سُئِلَ يَحْيَى بن مَعِيْن، عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَة، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، وذكره، فَقَالَ يَحْيَى: "خطأ؛ إنما هو: زَيْد إلى أبي جُهيم".

وقال المزي في «تحفة الأشراف» (3/231) (3749): "ومن جعل الحديث من مسند زيد ابن خالد فقد وهم".

3- قال أحمد في «مُسْنده» (45/92): «حَدِيثُ خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ امْرَأَةِ حَمْزَةَ بنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ».

قال (27125): حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنِ الحَارِثِ بنِ يَعْقُوبَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ عَامِرِ بنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ خَوْلَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ فِيهِ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ».

قلت: وهذا خطأ، فإنه من «مُسند خَوْلَة بِنْت حَكِيمِ بنِ أُمَيَّةَ السُّلَمِيَّة - امْرَأَةُ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ».

وقد ذكر هذا الحديث في ترجمتها: أبو نُعيم في «معرفة الصحابة» (6/3306)، وابن الأثير في «أسد الغابة» (7/94) (6888)، وابن حجر في «الإصابة» (8/116) (11119).

4- أخرج أبو يعلى في «مُسْنده» (12/523) (7088) في «مُسْند ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم» قال: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهَرَوِيُّ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ: «هُوَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَأَرْضُ الْمَنْشَرِ ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلَاةٍ» الحديث.
قلت: هذا خطأ، وإنما هي: «مَيْمُونَة بِنْت سَعْدٍ، مَوْلَاة النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» كما ذكر أحمد حديثها في «مُسْنده» (45/594) (27626).

ومن تتبع هذا الباب سيجد -إن شاء الله- نظائر له.

وأما أن شعبة ممن يصح أن يُنسب أن أبا قتادة هو الأنصاري؛ لأنه "لما روى هذا الخبر عن غيلان بن جرير عن عبدالله بن معبد عن أبي قتادة، قال له: «الأنصاري؟» قال: «نعم». فإذًا شعبة مستحضر هاهنا أن أبا قتادة هذا هو الأنصاري" – فقد بيّنت في أصل البحث أن هذا هو أساس تلك النسبة في الحديث!

فشعبة لما سمع شيخه غيلان يُحدّث بهذا الحديث عن عبدالله بن معبد عن أبي قتادة، وهو يعرف أن عبدالله بن معبد تابعي، فلا شك أن من بعده الأصل أن يكون صحابيّا، والمشهور في الصحابة بهذه الكنية هو: أبو قتادة الأنصاري، فلهذا سأل شيخه، فقال: "الأنصاري" = يعني هل أبو قتادة هنا هو الأنصاري الصحابي؟

فهز شيخه برأسه: "أي، نعم"!

والأصل هو هذه الرواية التي هز فيها برأسه، لا اختيار الخصم الرواية التي جاء فيها: "نعم"!

فبينهما فرق، فلو أن غيلانًا أجاب مباشرة بقوله: "نعم"، لربما كان لكلامه وجه! لكن هزّ الرأس عادة لا يعني التأكد سيما وقد أثبت في أصل البحث أن شعبة وغيره سمعوا هذا الحديث من غيلان وهو كبير في السنّ، وقد وهم في ثلاثة مواضع في هذا الحديث لكبر سنّه!

فهو كان يرويه عن أبي قتادة دون نسبة، لكن لما سأله شعبة جاءت هذه النسبة، ومن هنا جاء الخطأ كما بيّنته بتفصيل في البحث.

وثناء الخصم على شعبة وأنه كان يعتني بالأحاديث المسندة، وأنه كان ينتقي الأحاديث المرسلة – فإذا كانت هذه حاله فكيف يُخطئ في ذكر "الخميس" وينسب مسلم الوهم له!

فغاية ما في الأمر أن شعبة مشى على ما أجاب به شيخه أنه الأنصاري فسلّم بذلك؛ لأنه كما قلنا الحديث إذا تعدى التابعي فلا شك أن من بعده هو صحابي.

فما قاله الخصم هو أصلًا مُنازع فيه، فأنا بيّنت أصل الخلاف، وكيف نشأ، وكيف مشى ذلك على الأئمة.

ولا يزال الخصم يُردد ذلك، فقال أيضًا بعده: "طيب، فعندنا اتفاق عامة أهل الحديث، وأيضاً على رأس هؤلاء مسلم رحمه الله، وجماعة من وأكبر من مسلم كأحمد بن حنبل وكالحميدي ومن صنف في المسانيد والسنن، عامة هؤلاء ذكروه في مسند المسند الذي في مسند أبي قتادة وفي المسند المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن أصحاب السنن أصحاب الكتب هؤلاء إنما أوردوه في الأحاديث المسندة التي يحتج بها، لم يوردوه في الأخبار المرسلة، لو كان أبا قتادة لسقط هذا عن شرط كتابهم المسند. وهذا فنقول: إن عامة أهل العلم أو حكاية اتفاق أهل العلم على أن أبا قتادة هذا هو الأنصاري" انتهى.

قلت: وهل نازعنا أنه كان ينبغي أن يوردوه في الأخبار المرسلة؟

نعم هم أوردوه في الأخبار المسندة؛ لأنه وقع لهم هكذا، ولم نلزمهم إذ كنا نرى أنه مرسل أن يوردوه في الأخبار المرسلة!

*خامساً: قرينة طبقة الراوي!

ذكر الخصم من القرائن على أن الوارد في الحديث هو الصحابي الأنصاري، لا العدوي التابعي: "قرينة رواية الراوي وطبقته"، فقال: "والعدوي هؤلاء هذا إنما يروي عنه الصغار.. إنما يروي عنه الصغار بخلاف أبي قتادة الأنصاري، فإن فإن من يروي عنه أكبر طبقة.. فإن من يروي عنه أكبر طبقة.

​فتلاحظ أنه يروي عن أبي قتادة العدوي: عاصم الأحول، وهذا من صغار التابعين روى عن أنس، وحميد بن هلال العدوي، وهذا أيضاً أقل طبقة من عاصم ونحوه في الطبقة، وأيضاً إسحاق بن سويد العدوي، وهذا أيضاً يقارب حميد وعاصم، وأضراب هؤلاء بخلاف عبدالله بن معبد فإنه أقدم طبقة.

وهذه من المرجحات التي تدل على أن أبا قتادة ها هنا في الإسناد هو الأنصاري.. الأنصاري" انتهى.

قلت: يعني حاصل كلامه أنه لو كان هذا هو العدوي فلا يستقيم؛ لأن طبقة تلاميذه من الصغار، وطبقة تلاميذ أبي قتادة الأنصاري أكبر = يعني عبدالله بن معبد الذي يروي هذا الحديث عن أبي قتادة الأنصاري أقدم من طبقة تلاميذ من يروي عن أبي قتادة العدوي!

فهو يستغرب أن يكون عبدالله بن معبد من طبقة تلاميذ العدوي!!

قلت: عاصم الأحول (ت142هـ)، وحميد بن هلال العدوي (ت117هـ تقريباً)، وإسحاق بن سويد العدوي (ت131هـ).

وأبو قتادة العدوي أورده الذهبي في طبقتين من «تاريخه»، فأورده في طبقة الصحابة لما قيل بأن له صحبة فيمن مات بين سنة (81-90هـ).

وأورده في طبقة التابعين فيمن مات بين سنة (101-110هـ) – وهي الأقرب للصواب.

فإذا كان الوارد في الحديث هو العدوي فما الإشكال في أن يروي عنه عبدالله بن معبد الزماني الذي ذكره الذهبي في طبقة من مات بين سنة (81-90هـ)؟

فتكون رواية عبدالله بن معبد عن أبي قتادة العدوي من رواية القرين عن قرينه، فما الذي يمنع من ذلك؟

ثم كيف يكون عبدالله بن معبد من طبقة تلاميذ أبي قتادة الأنصاري، وتلاميذه من نفس طبقة تلاميذ أبي قتادة العدوي؟!

فممن رَوَى عَنْه: غَيْلانُ بنُ جَرِيرٍ (ت129هـ)، وَقَتَادَةُ (ت117هـ)، وَثَابِتٌ البُنَانِيُّ (ت123هـ).

فهذا يدلّ على أن عبدالله بن معبد والعدوي من الطبقة نفسها.

فقرينة الطبقة مهمة جدًا لمن يفهمها، فقلما نجد من يفهم علم الطبقات في زماننا هذا!

فكون عبدالله بن معبد من طبقة العدوي لا يعني أن الوارد في الحديث هو الأنصاري، والنزاع في تحديث أبي قتادة هنا من هو: الصحابي أم التابعي، لا أننا نستخدم الطبقة هنا في التحديد؛ لأن الأقران يروون عن بعضهم، فقد روى هذا الحديث عن عبدالله بن معبد: قتادة، ومات قبله بسنين.

وهنا مسألة مهمة ذكرتها في بحثي أعرض عنها الخصم!

وهي أن هناك رواية أخرى عن أبي قتادة، رواها عنه: حرملة بن إياس وهو بصري، وقد اختلف في حديثه كما بيّن ذلك الدارقطني، ورجّح روايته عن أبي قتادة. وهو من طبقة عبدالله بن معبد.

فعبدالله الزماني توفي قبل سنة (100هـ)، وحرملة بن إياس توفي بين سنة (100-110هـ)، وأبو قتادة العدوي من طبقتهم، فثلاثتهم من الأقران.

*سادسًا: حمل كلام ابن معين على روايات معينة، واستثناء بعضها!

قال الخصم: "​فإن قيل: ما تصنع بكلام يحيى بن معين؟ وهو أبرز في الحقيقة.. أبرز ما يحتج به لهذا القول كلام يحيى بن معين وأبرز ما يحتج به في هذا القول.

​فنقول: إن كلامه عام هاهنا ليس بتفصيلي، إنما يصح أن يحتج هاهنا بمثلاً برواية ابن سيرين عن أبي قتادة، نقول: إن يحيى يجنح إلى أن أبا قتادة ها هنا هو العدوي.

وما رواه البصريون، نعم صدق في هذا، لكن ثمة استثناءات في هذا، ثمة استثناءات وآتي إن شاء الله ذكر رواية البصريين عن أبي قتادة الأنصاري مما ليس فيه خلاف بين المحدثين قاطبة.. مما ليس فيه خلاف عند المحدثين قاطبة" انتهى.

قلت: حمل المُعترض كلام ابن معين العام على أحاديث معينة من رواية البصريين عنه!

ولا أدري كيف لم يدخل هذه الرواية في كلام ابن معين حيث أن المتفق عليه أن عبدالله بن معبد الزماني بصري = فروايته تدخل تحت قاعدة ابن معين العامة، واستثناؤها يحتاج لدليل!

ثم ما معنى أن كلام ابن معين ليس بتفصيلي؟

فهل يحتاج لتفصيل؟

هذه قاعدة عامة عنده قالها يندرج تحتها كل رواية للبصريين عن أبي قتادة، وليس كما أوهم الخصم بقوله: "إنما يصح أن يحتج هاهنا بمثلاً برواية ابن سيرين عن أبي قتادة".

فالنص فيه رواية ابن سيرين وكل البصريين، واستثناء أي رواية للبصريين لا بدّ لها من دليل.

ثُم هو قد قال بأن رواية الحسن البصري (ت١١٠هـ) عن أبي قتادة أنه: العدوي، مع أنهما في طبقة واحدة، فلم استبعد أن يكون الزماني يروي عن أبي قتادة العدوي!

فلم لا يكون الحسن يروي عن أبي قتادة الأنصاري بناء على قرينة الطبقة المتقاربة أو المتساوية؟!

والحسن قد حضر يوم الدّار يوم قتل عثمان رضي الله عنه.

*سابعًا: روايات البصريين عن أبي قتادة الأنصاري!

أورد الخصم بعض الروايات لنقض كلام ابن معين من روايات رواها البصريون عن أبي قتادة الأنصاري = مما يدلّ على أن هناك استثناءات في كلام ابن معين.

قال: "فمن ذلك: ​رواية عبدالله بن رباح عن أبي قتادة الأنصاري، وصرح فيه بلُقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحكي غزوة، وعبدالله بن رباح قدم البصرة وحدث عنه البصريون: ثابت وقتادة.. ثابت وقتادة، ولم يقل أحد إن هذا هو العدوي، فـ بل دلالة المتن ودلالة الرواية معروفة أنها أن عبدالله بن رباح هذا بصري نزل البصرة.

ومثل عبدالله بن معبد، جاء في بعض التراجم أنه وصفوه بالأنصاري، وهذا ليس بمستبعد، لكن لم نقف على ما يدل على أن عبدالله بن معبد هذا هو الأنصاري، وإن كان قد يقال إن هذا خطأ، لكن يأتي إن شاء الله ذكر الحِجاج المتعلق بأن برواية أهل البصرة عن أبي قتادة الأنصاري.

ومن ذلك: رواية عبدالله بن زيد الجرمي أبي قلابة عن أبي قتادة الأنصاري.. عن أبي قتادة الأنصاري، وذكر الأثر المشهور في الهرة، ومعروف أن حديث أبي قتادة في الهرة إنما هو حديث أبي قتادة الأنصاري بإجماع المحدثين، فهذه رواية أهل البصرة عن أبي قتادة" انتهى.

قلت:

أما رواية رواية عبدالله بن رباح عن أبي قتادة الأنصاري، فما شأنها وكلام ابن معين؟!

فعبدالله بن رباح مدني وسمع من أبي قتادة في المدينة، ثم نزل البصرة وحدّث بها، فأصله مدني، ونزوله البصرة لا علاقة له بقول ابن معين!

فحديثه عن أبي قتادة لا يُعد من البابة التي يتكلّم عليها ابن معين؛ لأنه ليس بصري الأصل.

نعم أكثر من روى عنه أهل البصرة لنزوله عندهم، لكن لا علاقة بروايته عن أبي قتادة بقول ابن معين؛ لأنه يتحدث عن رواية البصريين عن أبي قتادة الذي هو العدوي.

وعبدالله بن رباح يروي عن أبي قتادة الأنصاري ولا نزاع في هذا لا عند ابن معين ولا غيره.

ولو كان حديثنا عن أبي قتادة الأنصاري لكان عند عبدالله بن رباح!

ثُم أعاد كلامه هذا في آخر صوتيته لنقض كلام ابن معين، فقال: "طيب، رواية البصريين عن أبي قتادة الأنصاري نذكر شيئاً منها، تقدمت رواية عبدالله بن رباح"، ثم قال: "​فها هنا يدل على أن كلام يحيى بن معين هاهنا ليس هو على إطلاقه"!

وهذا مردودٌ كما بيّناه.

ثم أتى برواية أخرى لعبدالله بن رباح، فقال: "ومن الأخبار التي تذكر في هذا: ما رواه معتمر بن سليمان عن أبيه قال: أخبرني سالم المكي، عن عبدالله بن رباح قال: دخلت مع أبي قتادة على عثمان وهو محصور. هذا عبدالله بن رباح البصري، دخل مع أبي قتادة على عثمان، والعدوي ما علمنا له رواية عن عثمان، يدلك على أن أهل البصرة قد أسندوا عن أبي قتادة العدوي.. معذرة عن الأنصاري".

قلت: وهذا أيضًا لا حجة فيه؛ لأن عبدالله بن رباح مدني، وقد سمع من أبي قتادة في المدينة.

وهنا نسأل المعترض سؤالًا:

أنت أردت برواية عبدالله بن رباح عن أبي قتادة نقض كلام ابن معين؛ لأن عبدالله بن رباح نزل البصرة فهو بصري عندك؟

والسؤال: متى وأين سمع من أبي قتادة الأنصاري؟

إذا كان البصري رحل للمدينة وسمع من أبي قتادة، فهل هذا يندرج تحت قاعدة ابن معين؟

فإن وجد راويًا رحل للمدينة وسمع من أبي قتادة الأنصاري، فكيف نقول بأن أبا قتادة الوارد في رواية عبدالله بن معبد هو: الأنصاري الصحابي، وعبدالله لم يرحل للمدينة، والأنصاري لم يدخل البصرة!

ثُم إن عبدالله بن رباح سمع من أبي قتادة في المدينة، ثم نزل البصرة فحدث عن أبي قتادة وغيره هناك، فكيف ننقض كلام ابن معين بهذا؟!

وابن معين يعرف عبدالله بن رباح، وأنه مدني، فكيف يغيب عنه روايته عن أبي قتادة الأنصاري، ويطلق تلك القاعدة فينقضها بنفسه؟!

قال ابن الجُنيد: قُلْتُ لِيَحْيَى بن مَعِيْنٍ: قَتَادَة، سَمِعَ من عبدالله بن رَبَاح؟ قَالَ: "نَعَم، يشبه".

وقال الدوري: سَمِعت يحيى يَقُول فِي حَدِيث عبدالله بن رَبَاح عَن عَائِشَة، قَالَ يحيى: "بَينهمَا رجل وَهُوَ: عبدالعَزِيز بن النُّعْمَان".

فإدخال رواية عبدالله بن رباح عن أبي قتادة الأنصاري في نقض كلام ابن معين لا يستقيم ألبتة؛ لأنه مدني لا بصري.

وأما ما جاء في نسبة عبدالله بن معبد بأنه أنصاري = يعني هو مدني مثل أبي قتادة فطالما أنك اعترفت أنه خطأ، فلم تذكره وتُلبّس على المستمع؟!

وقد بينت أنه تحرّف في أصل البحث، وفي رد آخر على بعضهم.

*ثامنًا: نقله لإجماعات غير حقيقة!

وأما رواية أبي قلابة عن أبي قتادة في الهرة، ودعواه أن أبا قتادة هنا الأنصاري بإجماع المحدثين، فلا أدري من أين نقل هذا الإجماع؟! ولو أنه ذكر لنا واحدًا ممن نقل نقل هذا الإجماع أو قال به؟

أبو قلابة لم يسمع من أبي قتادة الأنصاري، ولو ثبت أن أبا قتادة هنا هو الأنصاري، فروايته هنا مرسلة، فلا تدخل في قاعدة ابن معين؛ لأن المقصود هو رواية البصريين عن أبي قتادة العدوي، وإذا روى أحدهم عن أبي قتادة الأنصاري فهذا أمر آخر، فإما أن يكون رحل إليه في المدينة أو لم يذكر الواسطة بينهما كما هنا في رواية أبي قلابة.

والأثر الي اعتمده الخصم هو ما رواه: ابن عُليّة، عن أَيُّوب السختيانيّ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، قَالَ: «كَانَ أَبُو قَتَادَةَ يُدْنِي الإِنَاءَ مِنَ السِّنَّوْرِ فَيَلَغُ فِيهِ، فَيَتَوَضَّأُ بِسُؤْرِهِ وَيَقُولُ: إنَّمَا هُوَ مِنْ مَتَاعِ البَيْتِ».

فالأصل أن أبا قتادة هنا هو: العدوي؛ لأن أبا قلابة بصري، وهو لم يسمع من أبي قتادة الأنصاري، وقد سمع من أبي قتادة العدوي، فهذا يدخل تحت قاعدة ابن معين الذهبية.

وكأن الخصم حمل أن أبا قتادة في رواية أبي قلابة على الأنصاري للحديث المشهور بهذه المسألة ويُروى عن أبي قتادة الأنصاري، ومن هنا نقل إجماعه المزعوم!

وهو ما رواهُ مَالِكٌ، وَغَيْرُهُ، عَنْ إِسْحَاقَ بنِ عَبْدِاللَّهِ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ حُمَيْدَةَ بِنْتِ عُبَيْدِ بنِ رِفَاعَةَ، عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ - وَكَانَتْ تَحْتَ بَعْضِ وَلَدِ أَبِي قَتَادَةَ - أَنَّهَا صَبَّتْ لأَبِي قَتَادَةَ مَاءً يَتَوَضَّأُ بِهِ، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ، فَأَصْغَى لَهَا الإِنَاءَ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ! فَقَالَ: يَا ابْنَةَ أَخِي أَتَعْجَبِينَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ، أَوْ: مِنَ الطَّوَّافَاتِ».

وَهَذَا إِسْنَادٌ ثَابِتٌ صَحِيحٌ.

وعليه حمل الخصم ما جاء في رواية أبي قلابة.

فإذا كان أبو قلابة رواه عن أبي قتادة الأنصاري فهو مرسل؛ لأنه لم يسمع من أبي قتادة الأنصاري، وهو يُرسل!

ثُمّ إن هذه الرواية عن أبي قلابة فيها نظر لأمور:

1- الأثر أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عُليّة، عن أَيُّوب السختيانيّ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، قَالَ: «كَانَ أَبُو قَتَادَةَ يُدْنِي الإِنَاءَ مِنَ السِّنَّوْرِ فَيَلَغُ فِيهِ، فَيَتَوَضَّأُ بِسُؤْرِهِ، وَيَقُولُ: إنَّمَا هُوَ مِنْ مَتَاعِ البَيْتِ».

وخالفه الإمام الحافظ أَبُو عُبَيْدٍ القاسم بن سلاّم، فرواه في كتاب «الطهور» (208) عن إِسْمَاعِيلَ بنِ إِبْرَاهِيمَ – وهو: ابن عُليّة -، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ: يُصْغِي لِلْهِرِّ الْإِنَاءَ فَيَشْرَبُ مِنْهُ، وَيَقُولُ: «إِنَّمَا هُوَ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ».

فجعله هنا: «عن عكرمة» لا «عن أبي قلابة»!

2- الصواب فيه أنه عن عكرمة، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة نفسه في «مصنفه» (37502) عن ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: «كَانَ أَبُو قَتَادَةَ يُدْنِي الإِنَاءَ مِنَ الهِرِّ فَيَلِغُ فِيهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِسُؤْرِهِ».

وأخشى أن يكون «ابن عيينة» هنا تحرف من «ابن علية».

3- روى عَبْدُالرَّزَّاقِ في «مصنفه» (348) عَنْ مَعْمَرٍ، وَابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ، مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَرَّبَ أَبُو قَتَادَةَ إِنَاءً إِلَى الْهِرِّ فَوَلَغَ فِيهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ مِنْ فَضْلِهِ، وَقَالَ: «إِنَّهَا مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ».

وروى أيضًا (346) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّهُ رَأَى أَبَا قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ «يُصْغِي الْإِنَاءَ لِلْهِرِّ فَتَشْرَبُ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهَا».

ثُم رواه (347) عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.

فالمحفوظ من حديث أيوب عن عكرمة، لا عن أبي قلابة، وكأنه حصل تحريف في بعض النسخ مصنف ابن أبي شيبة، تحرفت «عكرمة» إلى «قلابة»، فظُنّ أنه «أبا قلابة»؛ لأن أيوب يروي كثيرًا عنه، والله أعلم.

فإذا تبيّن هذا فلا حجة فيما ذكره الخصم من رواية أبي قلابة، عن أبي قتادة، وحينها تكون كل روايات الحديث متفقة على أن القصة حصلت لأبي قتادة الأنصاري الصحابي.

ثُمّ أعاد الاستدلال بهذه الرواية في نقض كلام ابن معين، فقال في آخر صوتيته: "روى أيوب بن تميمة عن أبي قلابة عبدالله بن زيد الجرمي قال: «كان أبو قتادة يدني الإناء من السنور، فيلغ فيه فيتوضأ بسؤره، ويقول: إنما هو من الطوافين عليك».

هذا بلا خلاف أن هذا هو الأنصاري، لا خلاف أن هذا هو الأنصاري. فها هنا يدل على أن كلام يحيى بن معين ها هنا ليس هو على إطلاقه" انتهى.

قلت: لم يُحرر المعترض هذا الأثر، فاستخدمه في نقض كلام ابن معين!

ثُم السؤال للمعترض: كيف يكون كلام ابن معين ليس على إطلاقه، مع أن قوله مطلق؟

ما الذي يُقيّده؟

فحتى لو وجدنا رواية لبصري عن أبي قتادة الأنصاري، فهذا لا يخرم القاعدة؛ لأن ابن معين قال ما قال بناء على سبر عنده، وقد يكون فاته رواية هنا وهناك – إن صحت تلك الرواية -.

أما ولم تصح أي رواية لبصري عن أبي قتادة الأنصاري = فقاعدة ابن معين صحيحة.

*تاسعًا: رواية أخرى للبصريين عن أبي قتادة الأنصاري!

وذكر المعترض رواية أخرى لنقض كلام ابن معين بروايات لبصريين عن أبي قتادة الأنصاري!

قال: "وأيضاً أسند أيضاً عمران القطان قال: أخبرني عمار -وهو: عمار بن أبي عمار-، وهذه رواية البصريين، نعم عمران بن القطان بصري، قال: رأيت على أبي قتادة مطرف خز، ورأيت على أبي هريرة مطرف خز، ورأيت على ابن عباس ما لا أحصي، هذا رواها الإمام أحمد في الزهد.

وليس هو العدوي ها هنا؛ لأنه يريد أن يحتج بأكابر الصحابة، أبو قتادة قد مات قبل أبي هريرة، فلذلك جاء بمثل هذا الترتيب، ونحتج بفعل الصحابة، لا نحتج بفعل العدوي، ولا يعلم لعمار بن أبي عمار ها هنا رواية عن أبي قتادة العدوي" انتهى.

قلت:​ هنا تُسكب العبرات!

لا نُنازع المعترض في أن أبا قتادة هنا هو الأنصاري، لكن ما دخل هذه الرواية في نقض كلام ابن معين!

فعمار بن أبي عمار هذا مكيّ كما قال البخاري، وأبو حاتم، وغيرهما.

ولم يقل أحد بأنه بصري!

وهل إذا روى عنه بصري صار بصريًا، واستخدمنا روايته في نقض كلام ابن معين؟

لا أظن عاقلًا يقول هذا!

روى حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ: عَنْ عَمَّارِ بنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: «لَمَّا مَاتَ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ قَعَدْنَا إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ فِي ظِلِّ الْقَصْرِ فَقَالَ: هَكَذَا ذَهَابُ العِلْمِ. لَقَدْ دُفِنَ اليَوْمَ عِلْمٌ كَثِيرٌ».

فحماد بن سلمة بصري، لكن هل عمار بصري؟!

قال ابن أبي حاتم: "عمار بن أبي عمار مولى بني هاشم أبو عمرو، مكي، سمع أبا قتادة، وأبا هريرة، وابن عباس، وعمران بن حصين، وأبا حبة البدري. روى عنه: عطاء بن أبي رباح، ويونس بن عبيد، وحميد الطويل، وشعبة، وعوف، وحماد بن سلمة. سمعت أبي يقول ذلك".

وقال الذهبي في «تاريخه»: "عَمَّارُ بنُ أَبِي عَمَّارِ المَكِّيُّ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ".

فهذه كلّ الروايات التي ادّعى المخالف أن البصريين رووا عن أبي قتادة الأنصاري لنقض كلام ابن معين!

وتبيّن أنه لم يُحرر هذه الروايات، ولم يفهمها على وجهها الصحيح!

فلا يزال قول ابن معين على عمومه دون خرم – ولله الحمد -.

وهنا قد تبيّن ضعف حجة المُعترض في نقض قاعدة يحيى بن معين الكلية المبنية على سبر واستقراء؛ فإنه لجأ إلى رواة مدنيين = أصلهم من المدينة كعبدالله بن رباح المدني، أو رواة مكيين، كعمار بن أبي عمار المكيّ، وقد رووا عن أبي قتادة الانصاري فجلعهم بصريين لمجرد أن أحدهما وهو ابن رباح نزل البصرة، أو لأن من روى عنهم بعض أهل البصرة، فقلب نسبتهما جميعًا فجعلهما بصريين!!

فإن قصد ذلك فهذه مصيبة! وإن لم يقصد، وكان هذا مبلغ فهمه، فالله المستعان!

*عاشرًا: دعوى أن حديث أبي قتادة جاء عنه من أكثر من وجه!

قال المُعترض: "وثمة أيضاً قرينة أيضاً نستعمل أنها تدل على أن أبا قتادة هذا هو الأنصاري، أن نقول: إن العدوي قليل الحديث وليس له أصحاب يروون عنه حديث من وجهين، يعني حديث أبي قتادة الأنصاري أو حديث فضل الصيام يوم عرفة جاء عنه من أوجُه: من وجه، وجهين، أو يقال لثلاثة، وهذه الخصيصة لا تعلم للعدوي بحيث إن الناس يروى عنه الحديث من غير وجه، بخلاف أبي قتادة الأنصاري فإن هذا يعلم فيه، وشاهد ذلك حديث النهي عن حديث صيد الحمار الوحشي" انتهى.

قلت:

أولًا: ليس بالضرورة أن يُشتهر الحديث عن الراوي بأن يُروى عنه من أكثر من وجه! فكم من صحابي أو تابعي لا يعرف حديثه إلا من وجه واحد.

ثانيًا: منذ متى يستخدم النقاد مثل هذه (القرينة المخترعة) في إثبات أن هذا الحديث من حديث فلان أو فلان؟!

ثالثًا: إذا كانت هذه خصيصة في حديث أبي قتادة = يعني أن أحاديثه تأتي من وجهين أو ثلاثة، وهذا لا يأتي في حديث أبي قتادة العدوي فهذا يعني أن الحديث أبي قتادة العدوي؛ لأن هذه الخصيصة لم تتحق هنا في حديث أبي قتادة الأنصاري، فعلى فرض أنه الأنصاري فلم يُروى عنه إلا من هذا الوجه الذي اعتمده المعترض وهو رواية عبدالله بن معبد الزماني؟

فأين الوجوه الأخرى؟ وأين أصحابه الذي يروون عنه الأحاديث بأكثر من وجه حتى ينفرد هذا البصري بحديثه هذا؟

رابعًا: بحسب هذه القرينة التي أشار إليها المعترض فالحديث هو حديث العدوي؛ لأنه رُوي عنه على وجهين، رواه عنه: الزماني، وحرملة بن إياس = وفي هذا ردٌّ عليه أن حديث العدوي لا توجد فيه هذه الخصيصة!

خامسًا: زعمه بأن هذه القرينة خصيصة في حديث أبي قتادة الأنصاري ليس بصحيح، ولا ينفع أن يبني هذا على حديث واحد ذكره وهو حديث صيد الحمار الوحشي، رواه عنه: نَافِعُ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيّ، وعَطَاء بن يَسَارٍ، ولو تتبع أحاديث أبي قتادة لوجد أن هناك أحاديث رُويت عنه من وجهين وهي قليلة، وهناك أحاديث لم تُرو عنه إلا من وجه واحد، وهو الغالب في حديثه، كرواية ابنه عبدالله بن أبي قتادة، أو عَمْرِو بنِ سُلَيْمٍ، أو عبدِالله بن رباحٍ، وغيرهم.

*أحد عشر: دعوى خيالية! ونتيجتها كارثية!!!

قال المعترِض: "​وأيضاً نزل عبدالله بن أبي قتادة أيضاً البصرة وروى عنه: يحيى بن أبي كثير وجماعة من البصريين. فإن قلنا إن عبدالله بن معبد ها هنا لم يسمع من أبي قتادة، فنقول إن أخذ ذلك عن أهل البصرة: عبدالله بن أبي قتادة ومن أدركه من البصريين، وذلك تعبير البخاري دقيق لا يعلم أنه سمع من أبي قتادة، إن قلنا استبعاداً أن يرويها عبدالله بن معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري. فعندئذ يتجه تخريج أنه قد روى عنه بواسطة ممن قدم البصرة كعبدالله بن أبي قتادة وهو راوية أبيه، وجماعة ممن أسند عن أبي قتادة الأنصاري كعبدالله بن رباح، وغير هؤلاء.. وغير هؤلاء" انتهى.

ثم أعاد هذا في آخر صوتيته، فقال: "وقد روى هذا نزل فيه عبدالله بن أبي قتادة ناس من أهل البصرة.. روى عن نزل روى من الرواة عن أبي قتادة الأنصاري ناس نزلوا البصرة كعبدالله بن أبي قتادة وعبدالله بن رباح، وأيضاً عبد الله بن معبد الزماني. ​وعبارة البخاري قوله: «لا يعلم له سماع» تدل على كالصريحة أنها إن كان لم يسمع منه فقد أخذ عنها بواسطة، وممن روى ورواية البصريين عن من سمع من أبي قتادة أحاديث عن أبي قتادة كعبدالله بن أبي قتادة وعبدالله بن رباح. ​وأيضاً عبدالله بن معبد الزماني لا تعرف له رواية عن أبي قتادة العدوي" انتهى.

قلت: يسرح المعترض في خياله بعيدًا حيث يقول بأن عبدالله بن معبد الزماني أخذ هذه الرواية عن أبي قتادة الأنصاري بواسطة ابنه: عبدالله، أو عبدالله بن رباح أو غيرهم ممن دخلوا البصرة وأسندوا عن أبي قتادة الأنصاري!

وهذه طامّة كبرى لم تخطر ببال أحد!

فإذا كان عبدالله بن معبد أخذ الحديث بواسطة أحد تلاميذ أبي قتادة، فلم لم نجد لهم رواية لهذا الحديث؟

فأين أصحاب عبدالله بن أبي قتادة عنه؟ وأين أصحاب عبدالله بن رباح عنه؟

وإذا كان عبدالله بن أبي قتادة أو غيره حدّثوا بهذا الحديث في البصرة، فأين رواية البصريين عنه؟

فها هم أهل البصرة قد حدثوا بأحاديث عن عبدالله بن أبي قتادة، وعن عبدالله بن رباح، فأين هذا الحديث عنهم؟

والغريب أنه احتج برواية عبدالله بن رباح عن أبي قتادة فيما سبق لنقض كلام ابن معين، وهنا تقول بأنه حدث عن أبي قتادة = يعني هو ليس بصريًا، وروايته لا تصلح لأن تنقض كلام ابن معين!

ثُمّ أين أن عبدالله بن أبي قتادة نزل البصرة وحدّث بها؟ والذي أعرفه أن إسماعيل بن أبي خالد الكوفي سمع منه بالكوفة كما قال الإمام البخاري.

ثُمّ احتج المعترض بكلام البخاري أن مضمونه يعني أنه حدث عن أبي قتادة بواسطة؛ لأنه لا يعرف له سماع منه = وهذه طامة أخرى!

فليس كلّ من قال عنه أهل العلم إنه لم يسمع من فلان أو لا يعرف له سماع من فلان أنه أخذ ذلك الحديث عنه بواسطة؛ لأن في ذلك إثبات لصحة الحديث إليه = بمعنى أن المعترض بقوله هذا يثبت صحة الرواية عن أبي قتادة الأنصاري وأن عبدالله بن معبد سمعها من ثقة عنه!

ولو مشينا على هذا في تتبع الأسانيد لألغينا علم النقد والتعليل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ثُمّ إن تصحيحه للحديث بهذه الطريقة فيه مخالفة لكلّ الأئمة:

- من صحح الحديث بالسماع أو المعاصرة كمسلمٍ وغيره!

- ومن أعلّ الحديث بالانقطاع!

وهو يُصححه بوجود واسطة بين عبدالله بن معبد وأبي قتادة!!

فلا هو التزم تصحيح من صححه، ولا تعليل من أعلّه!

وعلى طريقته هذه نستطيع تصحيح أي حديث رُوي منقطعًا بدعوى أن هناك واسطة غير معروفة!

ويلزم المُعترِض أن يُصحح جميع الروايات التي أُعلت في صحيح مسلم بالانقطاع!

ومن تتبع تناقضات المعترض في إجاباته وشروحاته لأحاديث في صحيح مسلم عرف أنه مخلط ولا يثبت على شيء!

فمما أذكر أنه سئل عن حديث التربة في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، فتبع البخاري في تعليله وأنه من رواية كعب، وقال بأن البخاري أعلم من مسلم في التعليل.

فهلا تبع البخاري في تعليل حديث عبدالله بن معبد عن أبي قتادة!

*اثنا عشر: دعوى أنه لا يُعرف لعبدالله بن معبد الزماني رواية عن أبي قتادة العدوي!

وقوله: "عبدالله بن معبد الزماني لا تعرف له رواية عن أبي قتادة العدوي".

وقال بعد أيضًا: "طيب، ومن الحجج الذي يبين أصلاً أن أن أبا قتادة هذا ليس هو العدوي: أنه لا يعرف لعبدالله بن معبد الزماني رواية عن أبي قتادة العدوي، هذه كتب الرواية أمامك، الشاملة فيها (50,000) كتاب تقريباً الذهبية كلها، لا يوجد لعبدالله بن معبد رواية عن أبي قتادة العدوي أصلاً.

فإن أتانا إسنادان.. إسنادان أحدهما ينسب هذا هو الأنصاري وفيه راوٍ متقن كشعبة ويتميز فيه السماع، ها؟ وينسبه إلى الأنصاري، جيد؟ وأتانا إسناد مبهم ليس فيه تبيين أن هذا هو العدوي، فالأصل أن نحمل العلم على من نسب على من لم ينسب.

والزماني عبدالله بن معبد هذا لا تعلم له رواية عن أبي قتادة العدوي أصلاً، حتى نقول إن عبدالله هذا إنما يروي عن أبي قتادة العدوي" انتهى.

قلت: نعم، إذا ورد الرجل منسوبًا من ثقة وحافظ حملنا كلامه على من لم يُنسب في إسناد آخر، لكن هذا ليس على إطلاقه، فقد يقع الثقة في خطأ، وهذا موجود في كتب الرجال والنقد.

ونأخذ بهذا إن لم يكن ثمة معارضة لهذا القول، فابن معين عمم رواية البصريين عن أبي قتادة بأنه العدوي، وأهل العلم تبعوا ما نتج عن سؤال شعبة لشيخه لا أن شعبة هو من قال بهذا من نفسه، وقد بيّنت ملابسات ذلك وأن شيخه لم يعلم الصواب فأشار برأسه أنه الأنصاري، ومن هنا أُتينا.

وعلى هذا مشى أهل العلم وذهبوا إلى أن أبا قتادة هو الأنصاري، لكن قول ابن معين يعني أنه العدوي.

وهذا الحديث مشى عند التابعين وأتباعهم ورووه عن عبدالله بن معبد عن أبي قتادة، ولم يعترضوا عليه؛ لأنه لا مشكلة عندهم فيه، لكن من صنّف في الرجال لم يقولوا بأنه سمع من أبي قتادة العدوي؛ لأنه لا توجد له رواية عنه إلا هذه، وهذه قد عدّوا أنها لأبي قتادة الأنصاري، فمن الطبيعي أن لا يذكروه في تلاميذ العدوي، وكذا رواية حرملة بن إياس الشيباني البصري.

فالأصل على قاعدة ابن معين أن يكون عبدالله بن معبد وحرملة من الرواة عن أبي قتادة العدوي.

ومسألة أنه لا يوجد في الكتب رواية لعبدالله بن معبد عن أبي قتادة العدوي فنعم؛ لأنه قرينه، والقرين عادة لا يرو عن قرينه إلا فائدة ليست عنده، ولهذا لا نجد رواية لعبدالله بن معبد عن أبي قتادة العدوي إلا هذا الحديث؛ لأنه عدّه فائدة كما سمعه قتادة -وهو من هو- من غيلان بن جرير، وحدّث به قبل موته وشيخه لا يزال حيًّا، ومات شيخه بعده بسنين = وهذا لا يكون إلا في رواية مثل هذه الفوائد من المراسيل ونحوها.

وهذا أمر لا يفهمه من يشتغل بعلم الحديث في أيامنا هذه!

*ثلاثة عشر: هل خفي على الحفاظ مسألة التمييز بين أبي قتادة الأنصاري وأبي قتادة العدوي؟

هذا السؤال طرحه المعترض ليُبيّن أن من ذهب من أهل العلم إلى أن أبا قتادة الوارد في حديث عرفة هو: الأنصاري، فهم يُميزون بينهما.

قال المعترض: "​وهل خفي على الحفاظ مسألة التمييز بين أبي قتادة الأنصاري وأبي قتادة العدوي؟ فأبو حاتم الرازي مثلاً لما أتى إلى ما رواه سعيد بن بشير عن قتادة عن عياش بن أب..... أو عباس عن أبي.. الأثر موجود لعلي أذكره إن شاء الله، عن أبي قتادة الأنصاري أنه ذكر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الجمعة مفرداً، قال أبو حاتم: رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الرجل الذي سماه قتادة عن أبي قتادة العدوي، إذًا هو تميز وانتبه إلى أن ثمة ناس يسندون تلك الأخبار ويجعلونها عن العدوي.

وهذا الحديث هذا حديث أبي قتادة العدوي أيضاً ذكره البخاري في التاريخ وقال: وروى عن أبي قتادة العدوي، أو هذا راوٍ آخر لعلي إن شاء الله أذكره إن شاء الله.

فعند الحفاظ، أعني بذلك البخاري وأبا حاتم وأيضاً صنيع شعبة أيضاً لما سألوه عن الأنصاري ها هنا، ما يدل على أنهم يميزون بين العدوي وبين الأنصاري" انتهى.

قلت: نعم أهل العلم يُميزون عادة بين من تشتبه أسماؤهم أو كناهم، ويركزون في هذا على من هم في الطبقة نفسها.

فأبو قتادة الأنصاري مشهور بكنيته، وأبو قتادة العدوي مشهور بكنيته أيضًا، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى القول بصحبة العدوي، إلا أن الصواب أنه لا صحبة له، وهو تابعي.

وهذا التمييز له شروطه وأدواته، فيُنظر في بلده، وتلاميذه، ورحلاته، وغير ذلك.

وقد صرحت مراراً أن أهل العلم إنما ذهبوا إلى أن الوارد في الحديث هو: الأنصاري؛ لسؤال شعبة شيخه غيلان بن جرير عن ذلك، ولولا هذا السؤال لبقي الأمر على ما هو: هل هو الصحابي؟

فمسألة التمييز موجودة، وكون هؤلاء ذهبوا إلى أنه الأنصاري فهذا لا يعني أنه هو الصواب إذا وجدنا ما يخالفه!

وقول ابن معين يخالفه، وظروف الرواية وأحوالها تخالفه، وهناك قرائن أخرى تقدم ذكرها حول هذه الرواية.

ثُم إن تمييز أبي حاتم بين أبي قتادة الأنصاري كما جاء مسمى في الحديث المُشار إليه وأنه العدوي حجة على المعترض = بمعنى أن المسألة اجتهادية في تعيين كل راو في أي إسناد.

فالحديث بصري رواه سَعِيدُ بنُ بَشِير، عَنْ قَتادة، عَنْ عَيَّاش بن عبدالله اليَشكُريِّ، عَنْ أَبِي قَتادة بنِ رِبْعِيٍّ الأنصاريِّ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِن يوم ٍ أحبُّ َ إليَّ مِنْ أنْ أصومَه مِنْ يوم ِ الجُمُعَة، وَلا أكرَهُ أنْ أصومَه مِنْ يَوْمِ الجُمُعَة. فَقِيلَ لَهُ: وكيفَ ذَلِكَ؟! قَالَ: يُعجِبُني أَنْ أصومَ يومَ الجُمُعَة؛ لِمَا أعرِفُ مِنْ فضلِه! وأكرهُ أَنْ أصومَه؛ لأنَّ رسولََ الله صلى الله عليه وسلم نهى عنه».

قال أبو حاتم: "إِنَّمَا هُوَ: عَنْ أَبِي قَتادة العَدَوِيِّ، مِنَ التَّابعين، موقوف".

قلت: فالأصل أن يكون الحديث على ظاهره كما سُمي في الحديث، ولا يختلف عن حديثنا في عرفة!

فلم تبع المعترض وغيره أبا حاتم في قوله؟

ما الدليل على أن أبا قتادة هنا هو العدوي التابعي؟

لن يجدوا دليلاً إلا قول ابن معين = فإلإسناد بصري، فأبو قتادة هنا: هو العدوي.

وقد جعل المعترض رأي أبي حاتم من أسباب التمييز بين الصحابي والتابعي.

قال في آخر صوتيته: "وأيضاً من الأسباب التي تدل على أن الحفاظ ميزوا بين الأنصاري والعدوي، ويدل عليها أيضاً كلام يحيى بن معين، ما رواه سعيد بن بشير عن قتادة عن عياش بن عبدالله اليشكري، هذا هو الراوي عن عياش بن عبدالله اليشكري عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري..." إلخ.

قلت: فلم هنا احتج بكلام ابن معين، ورده في حديث عرفة؟

ما هو الميزان أو الضابط في ذلك؟

وكذلك نقول في الأثر الذي رواه ابن سيرين لما نزل عليهم أبو قتادة، والمعترض قد سلّم لنا بأنه العدوي تبعًا لما ذكره ابن معين، فإنه بدأ بقوله: "كل ما روى ابن سيرين...".

قال المعترض: "وروى يزيد بن إبراهيم التستري، هذا عنده تفسير يحيى بن سلام، عن محمد بن سيرين عن رجل قال: كنا مع أبي قتادة على سطح، فانفض كوكب، قال: فنهانا أبو قتادة أن نتبعه أبصارنا.

نعم هكذا جعل واسطة بين ابن سيرين وبين أبي قتادة. ​وأبو حاتم يراه ها هنا أن أبا قتادة هذا هو الأنصاري، ويحيى بن معين يرى أن هذا هو العدوي، والأمر محتمل، لكن الرواية هذه رواية يزيد بن إبراهيم التستري هذا هذه أدخل بينه وبين أبي قتادة رجلاً يعني، وهذا يؤيد أن هذا ليس.. إن صحت الرواية أن هذا.. ليس هذا هو العدوي؛ لأن ابن سيرين قديم يعني من التابعين أدرك أوساط الصحابة، فلما يروي عن رجل عن أبي قتادة يدلك على أن هذا هو الأنصاري.

ولكن نقول: إنه قد خولف يزيد بن إبراهيم، هذا من باب أن قد خالف من هو أوثق منه، قال: نزل علينا.. نزل علينا نزل علينا أبو قتادة فانفض كوكب، فإما يقال إن الرجل هاهنا إن هذا نزل على إخوته: أنس وآل سيرين فحدث عنهم، أو يكون هذا من قبيل الغلط، وإن كان ثمة مرجح فإن الرواية التي قال: «نزل بنا» فإن هذا فإن هؤلاء أوثق من يزيد بن إبراهيم، ويزيد بن إبراهيم لا بأس به احتج به البخاري واحتج أيضاً به مسلم في بعض الطرق في بعض الألفاظ".

ثم قال بعد: "​وروى أيوب بن تميمة عن ابن سيرين قال: «تعشى أبو قتادة فوق ظهر بيت لنا»، تقدم هذا أن رواية يزيد بن إبراهيم لما قال: «عن رجل». قال: فنظر ففض نجم، فنظرنا إليه، قال: غَضُّوا أَبْصَارَكُمْ فإنا قد نهينا عن ذلك يعني نهينا عن ذلك.

​ورواه عاصم الأحول عن ابن سيرين قال: «نزل علينا أبو قتادة الأنصاري، فانفض كوكب فاتبعناه أبصارنا»، اتبعناه هاهنا ضمير عائد لابن سيرين ومن معه، «فنهانا عن ذلك». ​ورواه هشام بن حسان قال عن محمد قال: «كنا مع أبي قتادة على ظهر بيتنا، فرأى كوكباً انفض ورأى نظروا إليه، فقال أبو قتادة: إنا قد نهينا أن نتبع أبصارنا»، نعم هذا هو الأشبه أن يكون هو أبو قتادة العدوي" انتهى.

قلت: لم قبلت هنا أنه العدوي، ورددت كلام أبي حاتم أنه الصحابي الأنصاري؟

ما المُرجِّح، وما الضابط؟

وما الذي يختلف في هذا عن حديث في عرفة؟

فالأصل أن يكون هناك منهجية واضحة في الحكم على الأشياء، فعندنا نصٌّ لابن معين نابع من سبر لحديث البصريين، فوصل لنتيجة أن كل من يروي من البصريين عن أبي قتادة فهو العدوي؛ لأنه هو شيخهم المشهور عندهم، وكأنه يقول: لا تخلطن بينه وبين أبي قتادة الصحابي، فهذا بصري، وذاك مدني، وأهل البصرة يروون عن شيخهم العدوي التابعي.

 

هذا، وقد ختم المعترض كلامه في باب التمييز بينهما فأورد (27) حديثًا للبصريين عن أبي قتادة، وقال بأنه العدوي فيها كلها.

فهل بعد ذلك يشك أحد في متانة وصحة قول ابن معين، فهذه الأحاديث كلها – وكنت قد جمعتها وقلت في بحثي بأني سأنشرها لاحقًا إن شاء الله – عن أبي قتادة العدوي.

والاختلاف فقط في حديث عرفة!

فإذا كان الاختلاف في حديث واحد فقط فيُنظر: هل ينطبق كلام ابن على هذا الحديث أيضًا؟

والجواب: نعم، وقد قدمت قرائن ذلك، ومن عارض إنما عارض بأن أهل العلم سلّموا بأنه الأنصاري؛ لأن شعبة سأل شيخه عنه!

وقد بيّنت أن شيخه أخطأ في هذه النسبة، وأتيت بنظير لذلك.

فالخطأ وارد، والأئمة إنما يتبعون ما جاء في الروايات غالبًا في التمييز بين الرواة.

فقول ابن معين صحيح، ومحاولة المعترض خرقه بأدلة واهية زادنا تمسكًا به، ولله الحمد.

ومشكلة المعترض أنه رد كلام ابن معين بحجج واهية، وأن قوله من ألفاظ العموم ولا يستقيم!

قال في آخر صوتيته: "وهذا لا شك أنه من ألفاظ العموم، لكن هل هذا مستقيم؟ نقول: لا، قد وجد من أهل البصرة من روى، وقد خولف يحيى بن معين، خالفه غيره من الناس وخالفه عامة أهل العلم أصلاً في بعض الأحاديث المتعلقة بـما أسنده أهل البصرة، مثل حديث عبدالله بن معبد هذا، ومثل حديث غيره" انتهى.

قلت: قد بيّنا بما لا مجال للشك أن هذه الأحاديث التي ذكرها المعترض عن أبي قتادة الأنصاري ليست للبصريين، وأي طالب علم مبتدئ لو رجع لتراجم من رووها لعرف أنهم ليسوا بصريين!

وأما حديث عرفة فمخالفتهم لابن معين الصواب في ذلك مع ابن معين لوجود أدلة وقرائن تؤيد كلامه.

ثُم إن المعترض تراه ينزل كلام ابن معين بحسب هواه، فإذا أراد رده قال: "لكن يحمل ها هنا على العموم وعلى إطلاقه وهنا تقع في إشكال، تأتيك بعض الاستثناءات التي تخالف أصلك".

نقول له: أين الاستثناءات؟ وقد تبيّن أنها لا تخالف أصله، فيبقى كلام ابن معين الذي يُفيد العموم في كلّ رواية بصرية عن أبي قتادة بأنه العدوي التابعي تميم بن نُذير، ولا يُصار إلى خلافه إلا بدليل.

ولم استثنى المُعترِض رواية عبدالله بن معبد عن أبي قتادة؟!

فهي تدخل في عموم كلام ابن معين.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

وكتب: خالد الحايك

7 جمادى الأولى 1448هـ.

20 تشرين الأول 2026م.

شاركنا تعليقك