الموقع الرسمي للشيخ الدكتور خالد الحايك

سلسلة فهم أقوال أهل النَّقد (38). قولُ الإِمامِ مالِكٍ في بعض الرواة: «لَمْ يَكُنْ مِنَ القُرَّاءِ» أو «لَمْ يَكُنْ يُشْبِهُ القُرَّاءَ»!

سلسلة فهم أقوال أهل النَّقد (38).

قولُ الإِمامِ مالِكٍ في بعض الرواة: «لَمْ يَكُنْ مِنَ القُرَّاءِ» أو «لَمْ يَكُنْ يُشْبِهُ القُرَّاءَ»!

الأصل عند الأئمة أن مصطلحات الجرح والتعديل تُحمل على الشائع المعروف عندهم، ولا يُصار إلى خلاف ذلك في مصطلح ما قاله أحد الأئمة إلا بدليل قويّ أو قرينة تجعلنا نحمل هذا اللفظ العام المفهوم عند الجميع عند إطلاقه إلى معنى آخر اختصّ به ذلك الإمام.

وكذلك لا يجوز العدول عن المعنى المعهود في أي مصطلح إذا أطلقه أحد الأئمة إلى معنى آخر يُفهم من كلام آخر للإمام نفسه في الراوي نفسه إلا إذا كان هناك تعارض بين اللفظين، أو إذا كان المعنى الآخر يحتمل المعنى الأول، وإلا إذا لم يكن هناك تعارض فيُحمل كل مصطلح على ما هو مشهور معروف.

ومن هذه المصطلحات التي تُنوزِع فيها عند بعض المعاصرين قول الإمام مالك - رحمه الله -: : «لَمْ يَكُنْ مِنَ القُرَّاءِ».

فهذا المصطلح قاله الإمام في راويين من أهل المدينة:

الأول: شُعْبَةُ بنُ دِينَارٍ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ.

قال خليفة بن خيّاط في «الطبقات» (2541): "مات سنة مائة أو نحوها".

وقال مُصْعَب بن عَبْدالله الزبيري: "مات في خلافة هشام بن عَبْدالملك" [تاريخ ابن أبي خيثمة: (2/201) (2414)].

وقال ابن حبان في «المجروحين» (1/361): "مَات فِي زمَان هِشَام بن عَبْدالمَلِك".

 

وقال الواقدي: "مات شعبة مولى ابن عباس في وسط من خلافة هشام بن عبدالملك" [طبقات ابن سعد: (5/226)].

قلت: خلافة هشام كانت من سنة (105-125هـ)، فتكون وفاته على رأي الواقدي سنة (115هـ)، وقوله هو الأقرب للصواب؛ لأن مالكاً أدركه ولم يرو عنه كما سيأتي بيانه إن شاء الله.

الثاني: صَالِحٌ مَوْلَى التَوْأَمَةِ، وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدِ بنُ أَبِي صَالِحٍ نَبْهَانَ المَدَنِيُّ (ت125هـ).

*تخريج قول الإمام مالك:

رواه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (1/23)، وابن عدي في «الكامل» (6/136) (9149) عن ابن حمّاد الدولابي، كلاهما عن صالح بن أحمد بن حنبل. وابن عدي في «الكامل» (6/136) (9149) عن ابن حمّاد الدولابي، عن إسماعيل بن إسحاق القاضي. جميعًا (صالح بن أحمد، وإسماعيل بن إسحاق) عن علي بن المديني.

وابن عدي في «الكامل» (6/136) (9150) من طريق ابن أبي مريم، عن يَحيي بن مَعين.

كلاهما (ابن المديني، وابن معين) عن يحيى بن سعيدٍ القطان، قال: سألت مالك بن أنس عن شعبة مولى ابن عباس فقال: «لم يكن من القُرّاء».

ورواه ابن أبي خيثمة في «التاريخ الكبير» (2/201) (2413) عن أَبِيه، ويَحْيَى بن مَعِيْن.

وعبدالله بن أحمد في «العلل ومعرفة الرّجال» (2/500) (3298)، وأبو زرعة الدمشقي في «تاريخه» (ص: 423). كلاهما (عبدالله، وأبو زرعة) عن أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ.

ثلاثتهم (أبو خيثمة زهير بن حرب، وابن معين، وأحمد بن حنبل) عن يَحْيَى بن سَعِيدٍ القَطَّان، قَالَ: سألت مالك بن أنس عن شُعْبَة مولى ابن عَبَّاس؟ فقال: «لَمْ يَكُنْ يُشْبِهُ القُرَّاءَ». [رواه ابن عدي في «الكامل» (6/136) (9152) عن ابن حماد الدولابي، عن أَبي بكر بن أبي خيثمة، عن أبيه، وابن معين. و(9155) عن عبدالله بن مُحمد بن عَبدالعزيز، عن أحمد بن زهير، عن يَحيي بن مَعين، وحده].

وروى عبدالله بن أحمد في «العلل ومعرفة الرّجال» (3/240) (5056) – وعنه: العقيلي في «الضعفاء» (2/204) - قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرِ بنُ خَلَّادٍ: سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، فَقَالَ: «لَمْ يَكُنْ مِنَ القُرَّاءِ».

قلت: فهذا سؤال يحيى القطان لمالك عن شعبة مولى ابن عباس، وصالح مولى التوأمة، فقال فيهما: «لَمْ يَكُنْ مِنَ القُرَّاءِ» وفي لفظ عن القطان في شعبة: «لَمْ يَكُنْ يُشبه القُرَّاءِ».

فهل يُحمل قوله هذا على الجرح؟!

الأصل في إطلاق لفظ «القرّاء» عموماً يتبادر إلى أصحاب القراءآت في القرآن الكريم، ولهذا حمل بعض المعاصرين قول مالك على هذا، فقال: "هذا إذا كانت الرواية متعلقة بالقراءات، فيمكن أن يُقَدَّمَ عليه غيره فيها"!

وهذا خطأ قطعاً؛ لأن السياق يختلف، وقد تراجع عن قوله هذا لما نبّهه أحد الإخوة على ما جاء عن مالك أنه قال فيه أيضاً: "ليس بثقة"!

ففي الحديث الذي رواه مَالِكٌ في «الموطأ» (389) عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ، أَنَّ عَبْدَاللَّهِ بنَ مَسْعُودٍ، قَالَ لِإِنْسَانٍ: «إِنَّكَ فِي زَمَانٍ كَثِيرٌ فُقَهَاؤُهُ، قَلِيلٌ قُرَّاؤُهُ، تُحْفَظُ فِيهِ حُدُودُ الْقُرْآنِ، وَتُضَيَّعُ حُرُوفُهُ. قَلِيلٌ مَنْ يَسْأَلُ. كَثِيرٌ مَنْ يُعْطِي. يُطِيلُونَ فِيهِ الصَّلَاةَ، وَيَقْصُرُونَ الْخُطْبَةَ يُبَدُّونَ. أَعْمَالَهُمْ قَبْلَ أَهْوَائِهِمْ، وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ قَلِيلٌ فُقَهَاؤُهُ، كَثِيرٌ قُرَّاؤُهُ، يُحْفَظُ فِيهِ حُرُوفُ الْقُرْآنِ وَتُضَيَّعُ حُدُودُهُ. كَثِيرٌ مَنْ يَسْأَلُ، قَلِيلٌ مَنْ يُعْطِي، يُطِيلُونَ فِيهِ الْخُطْبَةَ، وَيَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ. يُبَدُّونَ فِيهِ أَهْوَاءَهُمْ قَبْلَ أَعْمَالِهِمْ».

فالقرّاء هنا هم أهل القرآن.

قال ابن عبدالبر في «الاستذكار» (2/363): "وَفِيهِ مِنَ الفِقْهِ مَدْحُ زَمَانِهِ لِكَثْرَةِ الفُقَهَاءِ فِيهِ وَقِلَّةِ الْقُرَّاءِ وَزَمَانُهُ هَذَا هُوَ القَرْنُ الْمَمْدُوحُ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كَثْرَةَ القُرَّاءِ لِلْقُرْآنِ دَلِيلٌ عَلَى تَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَذَمِّهِ لِذَلِكَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «أَكْثَرُ مُنَافِقِي أُمَّتِي قُرَّاؤُهَا» مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ وَغَيْرِهِ.

وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «قَدْ يَقْرَأُ القُرْآنَ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ»، وَالعِيَانُ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَلَى صِحَّةِ مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ كَالبُرْهَانِ".

وفي «صحيح مسلم» (4/2095) (2735) من طريق عُقَيْلُ بنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ، مَوْلَى عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ، وَكَانَ مِنَ القُرَّاءِ وَأَهْلِ الفِقْهِ.

قلت: فلفظ «القرّاء» يُطلق على أصحاب القرآن الذين عُرفوا به، كما قالوا في «أُبَيّ بن كَعْبِ» رضي الله عنه -: «سَيِّد القُرَّاءِ».

لكن إن لم يشتهر بهذا وأطلقوه، فإنهم يريدون به شيئاً آخر، وهو أنه من أصحاب الزّهد والتنسّك.

فالأصل في قول مالك: «لم يكن من القرّاء»، أو: «لم يكن يُشبه القراء» أن يندرج هذا تحت هذا المعنى، وهو أنه من أهل النُسك والعبادة.

يُقال في اللغة: تَقَرَّأَ: تَفَقَّه. وتَقَرَّأَ: تَنَسَّكَ. وَيُقَالُ: قَرَأْتُ أَي صِرْتُ قَارِئًا ناسِكاً. وتَقَرَّأْتُ تَقَرُّؤاً، فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرَأْتُ: تَفَقَّهْتُ.

وفي حديث عَائِشَةَ «نَظَرَت إِلَى رجُل كَادَ يَمُوتَ تَخافُتاً، فَقَالَتْ: مَا لِهَذَا؟ فَقِيلَ: إنَّه مِنَ القُرَّاءِ، فَقَالَتْ: كَانَ عُمَرَ سيِّدَ القُرَّاءِ، كَانَ إِذَا مَشَى أسْرَع، وَإِذَا قَالَ أسْمَع، وَإِذَا ضَرَبَ أوجَعَ» [النهاية في غريب الحديث والأثر: (4/370)].

روى ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (1/306): سمعت أبي يقول: "كان أحمد بن حنبل إذا رأيته تعلم أنه لا يظهر النُّسك، رأيت عليه نَعلاً لا يُشبه نَعل ‌القُرَّاء، له رأسٌ كبيرٌ مُعقف، وشِرَاك مُسبل، كأنه اشتري له من السوق".

قال ابن أبي حاتم: "أراد بهذا - والله أعلم -: ترك التزين بزي القرّاء وإزالته عن نفسه ما يُشتهر به".

قلت: فهذا المصطلح معروف وشائع عندهم للعابد الزاهد المتنسّك.

قال مَالِكُ بنُ أَنَسٍ: «كَانَ مُحَمَّدُ بنُ المُنْكَدِرِ سَيِّدَ القُرَّاءِ، وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يَسْأَلُهُ عَنْ حَدِيثٍ إِلَّا كَانَ يَبْكِي» [تاريخ البخاري الكبير: (1/219)].

وقال سَلَّامُ بنُ مِسْكِينٍ: "مَيْمُونُ بنُ سِيَاهٍ سَيِّدُ القُرَّاءِ" [الكامل لابن عدي: (9/695) (16494)].

قال الذهبي في «الميزان» (4/233) في ترجمة «ميمون بن سياه»: "وكان ممن يُقال له: سيّد القراء لعبادته وفضله".

وقال يوسف بن أسباط: "ابن المُبارك سيّد القرّاء، وهو أحبّ إليَّ من أبي" [الجرح والتعديل: (1/269)].

وقَالَ أَبو الأَحْوَصِ: "كَانَ يُقَالُ لابنِ عَوْنٍ: سَيِّدُ القُرَّاءِ فِي زَمَانِهِ" [تاريخ دمشق: (31/350)].

رَوَى إِبْرَاهِيْمُ بنُ رُسْتُمَ، عَنْ خَارِجَةَ بنِ مُصْعَبٍ، قَالَ: "صَحِبتُ ابنَ عَوْنٍ أَرْبَعاً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً، فَمَا أَعْلَمُ أَنَّ المَلاَئِكَةَ كَتَبتْ عَلَيْهِ خَطِيئَةً".

وَعَنْ سَلاَّمِ بنِ أَبِي مُطِيْعٍ، قَالَ: "كَانَ ابنُ عَوْنٍ أَملَكَهم لِلِسَانِه".

ومُعَاذُ بنُ مُعَاذٍ: حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ يُوْنُسَ بنِ عُبَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: "إِنِّي لأعرِفُ رَجُلاً مُنْذُ عِشْرِيْنَ سَنَةً، يَتَمَنَّى أَنْ يَسلَمَ لَهُ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ ابنِ عَوْنٍ، فَمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ".

وقَالَ ابنُ المُبَارَكِ: "مَا رَأَيْتُ مُصَلِّياً مِثْلَ ابنِ عَوْنٍ".

وَقَالَ رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ: "مَا رَأَيْتُ أَعَبْدَ مِنِ ابنِ عَوْنٍ".

وقَالَ مُعَاذُ بنُ مُعَاذٍ: سَمِعْتُ هِشَامَ بنَ حَسَّانٍ يَقُوْلُ: "حَدَّثَنِي مَنْ لَمْ تَرَ عَيْنَايَ مِثْلَه" - يعني: ابن عون. [سير أعلام النبلاء: (6/366)].

قلت: فهل معنى كلام مالك في شعبة مولى ابن عباس، وفي صالح مولى التوأمة أنهما لم يكونا من أهل الفضل والنُّسك.

إن كان كذلك فهذا ليس بجرحٍ، لكن بعض أهل العلم كانوا يعتبرون ذلك كما كان بعضهم يعتبر خوارم المروءة في بعض الرواة.

قال أبو جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة في «مسائله عن شيوخه» (64): سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : سَأَلْتُ يَحْيَى بن آدم عن صَدَقَة بن سَهْل؟ فَقَالَ: "هَذَا شَيْخٌ مِنَ القُرَّاءِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيْثِ".

قلت: قوله: "من القرّاء" يُحتمل أنه من أهل القرآن، أو المعنى الآخر أنه كان زاهداً عابداً متنسكاً، ثم بيّن أنه ليس من أصحاب الحديث.

وقد اختلف أهل العلم في حال شعبة مولى ابن عباس، وصالح مولى التوأمة، وجاء عن مالك أنه قال فيهما: "ليس بثقة"!

ومِن هنا ذهب بعض المعاصرين المشتغلين بالحديث إلى أن قول مالك في شعبة مولى ابن عباس: «لم يكن من القراء» معناه ما قاله عنه: «ليس بثقة»!

وقول مالك هذا في شعبة مولى ابن عباس، وصالح مولى التوأمة نقله عنه: بِشر بن عُمر الزهراني البصريّ.

قال البخاري في «التاريخ الكبير» (4/243): "وروى إِسْحَاق الكَوسج، قال: حدَّثنا بِشر بن عُمر، قَالَ: سألتُ مالكًا، عَنْ شُعبة الَّذِي رَوَى عَنه ابْن أَبي ذِئب؟ قال: «ليس بثقة»، وعن صالح، مَولَى التَّوأَمة، قال: «ليس بثقة»".

وروى مسلمٌ في «مقدمة صحيحه» (1/26) قال: وحَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الدَّارِمِيُّ، قال: حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكَ بنَ أَنَسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ الَّذِي يَرْوِي عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ، فَقَالَ: «لَيْسَ بِثِقَةٍ».

وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَالِحٍ، مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، فَقَالَ: «لَيْسَ بِثِقَةٍ».

وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَبِي الحُوَيْرِثِ، فَقَالَ: «لَيْسَ بِثِقَةٍ».

وَسَأَلْتُهُ عَنْ شُعْبَةَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابنُ أَبِي ذِئْبٍ، فَقَالَ: «لَيْسَ بِثِقَةٍ».

وَسَأَلْتُهُ عَنْ حَرَامِ بنِ عُثْمَانَ، فَقَالَ: «لَيْسَ بِثِقَةٍ».

وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَؤُلَاءِ الخَمْسَةِ، فَقَالَ: «لَيْسُوا بِثِقَةٍ فِي حَدِيثِهِمْ».

وَسَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ آخَرَ نَسِيتُ اسْمَهُ، فَقَالَ: «هَلْ رَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي؟» قُلْتُ: لَا، قَالَ: «لَوْ كَانَ ثِقَةً لَرَأَيْتَهُ فِي كُتُبِي».

وروى البَرذعي في «سؤالاته لأبي زرعة» (2/461) عن أبي زرعة. والعقيلي في «الضعفاء» (2/185) عن زَكَرِيَّا بن يَحْيَى الحُلْوَانِيّ. كلاهما (أبو زرعة، وزكريا بن يحيى) عن مُحَمَّدِ بنِ المُثَنَّى.

وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (4/367) عن حمّاد بن الحسن بن عنبسة.

وابن عدي في «الكامل» (6/137) (9156) من طريق عليّ بن المديني.

وابن عدي في «الكامل» (6/137) (9157) عن مُحمّدِ بن الحَسَن بنِ عَلِيِّ بنِ بَحْرٍ البُرِّيِّ. وابن حبان في «المجروحين» (1/361) (475) عن عُمَرَ بنِ مُحَمَّدٍ الهَمْدَانِيّ، عن عَمْرِو بنِ عَلِيٍّ الفلاّس.

أربعتهم (محمد بن المثنى، وحماد بن الحسن، وابن المديني، والفلاس) عن بِشْرِ بنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ شُعْبَةَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ ابنُ أَبِي ذِئْبٍ، فَقَالَ: "لَيْسَ بِثِقَةٍ".

وزاد ابن المديني: "فلا تأخذن عنه شَيئًا".

ولفظ ابنِ بَحْرٍ البُرِّيِّ، عن عَمرو بن علي: وزعم بشر بن عُمر، سألت مالكًا، عن شُعبَة مولي ابن عباس قال: "لم يكن ثقة".

وروى العقيلي في «الضعفاء» (2/204) عن زَكَرِيَّا بن يَحْيَى، عن مُحَمَّدِ بن المُثَنَّى. وعن عَبْداللَّهِ بن أحمد بن حنبل، عن عَبَّاسٍ العَنْبَرِيّ.

وابن عدي في «الكامل» (6/203) (9346) من طريق ابن المديني.

ثلاثتهم (محمد بن المثنى، وعباس العنبري، وابن المديني) عن بِشْر بنِ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ صَالِحٍ، مَوْلَى التَّوْأَمَةِ فَقَالَ: "لَيْسَ بِثِقَةٍ".

وزاد ابن المديني: "فلا تأخذن عنه شَيئًا".

وفي رواية العقيلي: حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: إِنَّ عَبَّاسًا العَنْبَرِيَّ حَدَّثَنَا عَنْ بِشْرِ بنِ عُمَرَ، قال: سألت مالكاً، فذكره.

وفي «العلل ومعرفة الرجال» (2/311) (2382): قَالَ عبدالله بن أحمد: فَقلت لأبي: إِن بشر بن عُمَر زعم أَنه سَأَلَ مَالك بن أَنَس عَن صَالح مولى التَّوْأَمَة، فذكره.

وليس فيها ما ذكره العقيلي عنه: "إن عباساً العنبري"!

وروى البَرذعي في «سؤالاته لأبي زرعة» (2/461) قال: قلت - أي: لأبي زُرعة -: صالح مولى التوأمة؟

فقال: حدثني عبدالله بن الحسن، عن مُطرِّفٍ، قال: سمعت مالكاً يقول: "صالح مولى التوأمة كذّابٌ".

فهل نحمل قول مالك فيهما: «لم يكونا من القرّاء» أنهما: «ليسا بثقة»!

الأصل في مصطلحات الأئمة حملها على ظاهرها إن لم يكن هناك قرينة نصرف المعنى الظاهر لمعنى آخر.

فقول مالك: «لم يكون من القرّاء» الأصل أنه لم يكن من أهل التعبد والتنسك، لكن هذا ينافي السؤال الذي سأل يحيى القطان مالكاً! فإنه سأل مالكاً عن حال شعبة مولى ابن عباس، وصالح مولى التوأمة، فأجابه بهذا الجواب في كلّ منهما، ولو كان المعنى أنهما ليسا من أهل التعبد والتنسك لما كان للسؤال معنى؛ لأن هذا المعنى لا يُعبِّر عن حال الراوي من حيث الجرح والتعديل.

ولما نقل أهل العلم في سؤالاتهم ومصنفاتهم حالهما نقلوا كلام مالك فيهما = مما يدلّ على أن معناه ليس المعنى الظاهر المعروف.

قال الدوري في «تاريخ ابن معين» (3/237) (1111) سَمِعت يحيى يَقُول: "قَالَ مَالك: شُعْبَة مولى ابن عَبَّاس لم يكن من القُرَّاء".

وقال في موضع آخر (1114): سَمِعت يحيى يَقُول: "شُعْبَة مولى ابن عَبَّاس لَيْسَ بِهِ بَأْس هُوَ أحبّ إِليَّ من صَالح مولى التَّوْأَمَة"، قلت لَهُ: "كَانَ مَالك يَقُول فِي شُعْبَة: لَيْسَ هُوَ من القُرَّاء".

وقال أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (2/489) (3229): "شُعْبَة مولى ابن عَبَّاس: مَا أرى بِهِ بَأْس. قَالَ مَالك: لم يكن يُشبه القُرَّاء".

وقال أَبو داود في «سؤالاته» (160): سمعت أَحمد، قيل له: شعبة مولى ابن عباس؟ فقال: "قال مالك: لم يكن يشبه القراء"، ورأيت أَحمد كأَنه يُحسن أمره ولا يدفعه.

قلت: فأحمد لما سئل عن شعبة هذا ذكر فيه قول مالك، ولو كان قول مالك يعني أنه ليس من أهل التعبد والنسك لما كان هناك فائدة هنا عن حاله! فلما ذكره رأي مالك الذي يدلّ على أنه جرح أتبع ذلك أبو داود برأي أحمد أنه كان يُحسّن أمره ولا يدفعه مقابل جرح مالك له.

وقال ابن سعد في «الطبقات» (5/225) (907): "شعبة مولى عبدالله بن عباس، ويُكنى أبا عبدالله. روى عنه ابن أبي ذئب وعدة من أهل المدينة وغيرهم ولم يرو عنه مالك بن أنس.

قَالَ يحيى بن سعيد القطان: فقلت لمالك بن أنس ما تقول في شعبة مولى ابن عباس؟ فقال: لم يكن يشبه القراء. وله أحاديث كثيرة ولا يُحتج به".

قلت: ابن سعد هنا أيضاً احتج بجرح مالك له، ثم قال رأيه فيه بأنه لا يُحتج به.

وقال النسائي في «السنن الكبرى» (9/72): "وَلَيْسَ فِي مَوَالِي ابنِ عَبَّاسٍ ضَعِيفٌ إِلَّا شُعْبَةَ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: «لَمْ يَكُنْ يُشْبِهُ القُرَّاءَ»".

قلت: نقل النسائي هنا قول مالك يدلّ على الجرح؛ لأنه صرّح بأنه ضعيف، فأتى بقول مالك لتأييد كلامه فيه.

وقال يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (3/32): قَالَ عَلِيُّ بنُ المَدِينِيّ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ كَانَ يَسْأَلُ مَالِكًا وَيَقْرَأُ عَلَيْهِ، قَالَ: جَعَلَ لِي الدراوَرْديّ، وَابنُ أَبِي حَازِمٍ – هو: عبدالعزيز -، وابن كنانة - هو: عَبْدالرَّحْمَنِ بن إسحاق بن عَبدالله بن الحارث بن كنانة المدني - دينارًا على أَنْ أَسْأَلَ مَالِكًا عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ لَمْ يَرْوِ عَنْهُمْ!

فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي قَدْ تَزَوَّجْتُ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ مِنْ دَقِيقٍ وَلَا سَوِيقٍ، وَقَدْ جَعَلَ لِي قَوْمِي دِينَارًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ شَيْءٍ.

فَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللَّه - وَكَانَ يَقُولُ ذَلِكَ كَثِيرًا - فَقَالَ: مَا أَحَبَّ إِلَيَّ مَا سَاقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْكَ مِنْ خَيْرٍ، سَلْ.

فَقُلْتُ: فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ لَمْ تَرْوِ عَنْهُمْ مَا حَالُهُمْ؟

قَالَ: واستأذنت عليه وَعِنْدَهُ الدراوَرْديّ، وابن أبي حازم، وابن كنانة، فقال لِي: لَيْسَ هَذَا سَاعَتَكَ. فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي جِئْتُكَ فِي أَمْرٍ. قَالَ: فَأَطْرَقَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا باللَّه، أَدْرَكْتُ فِي هَذَا المَسْجِدِ سَبْعِينَ شَيْخًا كُلُّهُمْ قَدْ سَمِعَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ دُونِهِمْ، فَمَا أَخَذْنَا هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا عَنْ أَهْلِهِ.

قَالَ عَلِيٌّ: وَأَخْبَرَنِي بِشْرُ بنُ عُمَرَ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ. فَقَالَ: «لَمْ يَكُنْ يُشْبِهُ القُرَّاءَ».

قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، وأَبِي الحُوَيْرِثِ، وَأَبِي جابر البَيَاضِيِّ؟

فَقَالَ: لَيْسَ هُمْ بِمَوْضِعٍ.

قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عن ابن أبي يحيى الأسلمي، فقال: لَيْسَ بِرِضًى فِي دِينِهِ.

قَالَ: وَسَأَلْتُ عَنْ رَجُلٍ فَقَالَ: "أَتَرَى فِي كُتُبِي عَنْهُ شَيْئًا، لَوْ كُنْتُ أَرْضَاهُ رَأَيْتُ فِي كُتُبِي عَنْهُ".

قلت: ظهر من هذا أن مالكاً قصد بقوله: «لَمْ يَكُنْ يُشْبِهُ القُرَّاءَ» = أي ليس بأهلٍ أن يُؤخذ عنه الحديث، فابن المديني أتى بقصة عدم رواية مالك عن الدراوَرْديّ، وابن أبي حازم، وابن كنانة، وأنهم ليسوا بأهل للأخذ عنهم، ثم أتبع ذلك بقول مالك في شعبة مولى ابن عباس، ثم قول مالك في الثلاثة الآخرين بأنهم ليسوا بموضع للرواية والأخذ عنهم لضعفهم.

وهم الذين نقل بشر بن عمر عن مالك أنهم ليسوا بثقات كما تقدّم.

وقد تقدّم قول مُطرِّفٍ، سمعت مالكاً يقول: "صالح مولى التوأمة كذّابٌ".

قال العقيلي في «الضعفاء» (4/102): حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بنُ أَحْمَدَ، قال: حَدَّثَنِي أَبِي، قال: حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكَ بنَ أَنَسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ أَبِي جَابِرٍ البَيَاضِيِّ؟ فَقَالَ: "نتَّهِمُهُ بِالكَذِبِ".

وقال عبدالله بن أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (2/500) (3297) سَأَلت أبي عَن أبي جَابر البياضي، فَقَالَ: بَصرِي، أَظُنهُ - يَعْنِي بشر بن عمر – قَالَ: سَأَلت مَالك بن أنس عَن أبي جَابر البياضي، فَقَالَ: "نتهمه بِالكَذِبِ".

وقال العقيلي: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدِ، قال: حَدَّثَتَا أَبُو قُدَامَةَ [ح].

وَحَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بنُ يَحْيَى، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكَ بنَ أَنَسٍ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ البَيَاضِيِّ يَرْوِي عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ؟ قَالَ: "لَيْسَ بِثِقَةٍ".

حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بنُ أَحْمَدَ، قال: حَدَّثَنِي أَبِي [ح].

وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ بنِ جَنَّادٍ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِي الْأَسْوَدِ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكَ بنَ أَنَسٍ عَنْ أَبِي جَابِرٍ البَيَاضِيِّ؟ فَقَالَ: "لَمْ يَكُنْ يُرْضَى" [ضعفاء العقيلي: (4/102)].

وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (1/163): حدثني ابن أَبِي الأسود، عَنْ يحيى، قَالَ: سألت مالكًا عَنْ أَبِي جَابِر، فقَالَ: "لم يكن برضا".

وقال عبدالله بن أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (3/216) (4935): حَدثنِي ابن خَلاد، قَالَ: سَمِعت يحيى يَقُول: سَأَلت مَالك بن أنس عَن أبي جَابر البياضي، فَقَالَ: "لم يكن برضى".

وقال عبدالله بن أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (2/311) (2382): قَالَ أَبِي: "أَبُو الحُويرث اسْمه: عَبْدالرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة، روى عَنْهُ: سُفْيَان، وَشعْبَة".

فَقلت: إِن بشر بن عُمَر زعم أَنه سَأَلَ مَالك بن أَنَس عَن أَبِي الحُوَيْرِث، فَقَالَ: "لَيْسَ بِثِقَة"! وَأنْكرهُ أَبِي، وَقَالَ: "لَا، حَدَّث عَنْهُ شُعْبَة"، فَقلت لأبي: إِن بشر بن عُمَر زعم أَنه سَأَلَ مَالك بن أَنَس عَن صَالح مولى التَّوْأَمَة، فَقَالَ: "لَيْسَ بِثِقَة"، قَالَ أَبِي: "مَالك كَانَ قد أدْرك صَالحًا، وَقد اخْتَلَط أَو هُوَ كَبِير، مَا أعلم بِهِ بَأْسًا، من سمع قَدِيمًا، وَقد روى عَنْهُ أكَابِر أَهْل المَدِينَة".

وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (5/284) (1352): حدّثنا حماد بن الحسن بن عنبسة، قال: حدثنا بشر بن عمر الزهراني، قال: سألت مالكًا عن أبي الحويرث، فقال: "ليس بثقة".

فهؤلاء الأربعة: شُعْبَة مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ، وصَالِح مَوْلَى التَّوْأَمَةِ، وأَبو الحُوَيْرِثِ، وَأَبو جابر البَيَاضِيِّ لم يكن مالك يرضى حديثهم، وهم ليسوا بموضع أن يؤخذ عنهم، وقال فيهم كلهم: "ليس بثقة".

وقال في شُعْبَة مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ، وصَالِح مَوْلَى التَّوْأَمَةِ «لَمْ يَكُنْ من القُرَّاءَ» أو: «لَمْ يَكُنْ يُشْبِهُ القُرَّاءَ».

وكان يتّهم صالح مولى التوأمة بالكذب!

فتبيّن من هذا أن قول مالك: «لَمْ يَكُنْ من القُرَّاءَ» = يعني لم يكن أهلاً لأن يؤخذ عنه الحديث، ولهذا قال في بعضهم: لم يكن بِرضا، فهو ليس بثقة، بل ومتّهم بالكذب.

فالإمام مالك أدرك هؤلاء ورأى أنه لا يؤخذ منهم الحديث، ولا يُروى عنهم. وبعضهم أدركهم مالك في حال الكِبَر والاختلاط كصالح مولى التوأمة.

قال العقيلي في «الضعفاء» (2/204): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ، وَبِشْرُ بنُ مُوسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ: "لَقِيتُ صَالِحًا مَوْلَى التَّوْأَمَةِ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، أَوْ نَحْوِهَا، وَقَدْ تَغَيَّرَ، وَلَقِيَهُ الثَّوْرِيُّ بَعْدِي فَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ: أَسَمِعْتَ مِنِ ابنِ عَبَّاسٍ؟ أَسَمِعْتَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ أَسَمِعْتَ مِنْ فُلَانٍ؟ فَلَا يُجِيبُنِي بِهَا، فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: إِنَّ الشَّيْخَ قَدْ كَبِرَ".

وقال ابن أبي مريم: سمعت يَحيي بن مَعين يقول: "صالح مولي التوأمة ثقة حجة". قلتُ له: إن مالكًا ترك السماع منه! فقال لي: "إن مالكًا إنما أدركه بعد أن كبر وخرف، وسفيان الثَّوري إنما أدركه بعد أن خَرِف، فسمع منه سفيان أحاديث منكرات، وذلك بَعد مَا خرف، ولكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يَخرف" [الكامل: (6/205) (9354)].

وقال المروذي في «سؤالاته لأحمد» (69): سَأَلت أَبَا عبدالله عَن صَالح مولى التوءمة، فَقَالَ: "قَالَ مَالك: قد رَأَيْته مُختلطًا، وَلم يَحمِل عَنهُ، ثمَّ قَالَ: من سمع مِنْهُ قبل الِاخْتِلَاط، فَكَأَنَّهُ".

قلت: مَالِكٌ وُلِد فِي سَنَةِ ثَلاَثٍ وَتِسْعِيْنَ (93هـ)، عَامَ مَوْتِ أَنَسٍ خَادِمِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَطَلَبَ العِلْمَ وَهُوَ حَدْثٌ بُعَيْدَ مَوْتِ القَاسِمِ بن محمد بن أبي بكر (ت105 أو 106 أو 107هـ)، وَسَالِمٍ بن عبدالله بن عمر (ت106هـ) = يعني بدأ مالك طلب العلم سنة (107) وهو ابن (14) عاماً.

وهو قد أدرك شعبة مولى ابن عباس = وهذا يعني أن قول خليفة في وفاة شعبة سنة (100هـ) لا يصح.

*تعقّب ابن حجر لابن القطان!

قال ابن القطان الفاسي في «بيان الوهم والإيهام» (5/325): "إِن مَالِكًا لم يُضعفهُ، وَإِنَّمَا شح عَلَيْهِ بِلَفْظَة «ثقة»، وَقد كَانُوا لَا يطلقونها إِلَّا على العدْل الضَّابِط، كَمَا قَالَ ابن مهْدي: حَدثنَا أبو خَلدة، فَقيل لَهُ كَانَ ثِقَة؟ قَالَ: بل الثِّقَة: شُعْبَة وسُفْيَان. فَفرق بَين الثِّقَة وَغَيره، وَيظْهر من أَقْوَالهم فِي هَذَا، أَن هَذِه اللَّفْظَة إِنَّمَا تقال لمن هُوَ فِي الطَّبَقَة الْعَالِيَة من الْعَدَالَة، وَرُبمَا قَالُوا أَيْضا: لَيْسَ بِثِقَة للضعيف أَو الْمَتْرُوك. فَإِذن هُوَ لفظ يتفسر مُرَاد مطلقه بِحَسب حَال من قيل فِيهِ ذَلِك".

فتعقّبه ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (4/347): "قلت: هذا التأويل غير شائع بل لفظة «ليس بثقة» في الاصطلاح يوجب الضعف الشديد، وقد قال ابن حبان: روى عن ابن عباس ما لا أصل له حتى كأنه ابن عباس آخر".

 

وكتب: د. خالد الحايك

5 ربيع الأول 1447هـ.

29 آب 2025م.

شاركنا تعليقك