الصفحة الرئيسية         الكتب           البحوث           المخطوطات          المجلة            راسلنا          الضيائية
 
 
 

«عُقُود الزَّبَرْجَد والعَسْجَد» في دَفع الوَهمِ عن «الإِمام أَحمد».




·       هل أخطأ الإمام أحمد في روايته لحديث: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا...»؟!

قد يختلف الرواة في الأحاديث على الشيخ، وهذا أمر طبيعي، ولا أحد معصوم من الخطأ حتى الإمام أحمد، وإثبات الخطأ عليه يحتاج لدليل.

اتصل بي أحد الإخوة الأحبة - وهو دائم الاتصال للاطمئنان عن الأحوال جزاه الله خيراً - وكالعادة أخذنا الوقت في الحديث، فكان مما سألني:

هل تعرف للإمام أحمد خطأ في المسند؟

فقلت له: لا.

فذكر لي أن بعضهم وقف على خطأ للإمام أحمد في حديث «مَنْ أَتَى عَرَّافًا...»، وهو أنه زاد في متنه: «فَصَدَّقَهُ»، ثم ذكر من رواه عن يحيى القطان، وقال بأن رواية مسلم ليس فيها ما ذكره الإمام أحمد، وأن ابن حجر في «الإتحاف» لم يذكر هذه الزيادة! وأن شيخاً عندهم – وهو معروف وهو شيخ فاضل – لما تعرّض لحديث أحمد قال: "بأن هذه اللفظة زيادة في «المسند» ويشك في نسبتها لأحمد؛ لأنها ليست موجودة في كل النسخ"!

فتذاكرنا هذه المسألة وفي قرارة نفسي أن أحمد يبعد أن يخطئ ويزيد مثل هذه الزيادة! ولو أن عشرة خالفوا الإمام أحمد لحكمت للإمام...

 واعترضت على ما قاله شيخ أخينا أن هذه اللفظة يُشك في نسبتها لأحمد = يعني أُدخلت في كتابه! وهذا يفتح علينا باباً لا نستطيع إغلاقه! ولم يقل أحد أن هذه اللفظة ليست موجودة في بعض النسخ! بل هي في جميع نسخ «المسند».

فالدفاع عن الإمام أحمد أو صعوبة الإقرار بخطئه لا يعني أن نلجأ لمثل هذه الأمور!

فالأمر سهل ويسير: إن ثبت أن الإمام أحمد أخطأ، فنقول: أخطأ، وهذا لا يُنقص منه شيئاً، وأين هذا الخطأ الواحد أو الاثنين والثلاثة في آلاف الأحاديث التي رواها رضي الله عنه.

والإمام نفسه كان يُخطئ أحياناً، وإذا بُيّن له الخطأ تراجع.

قال أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِالوَهَّابِ الفَرَّاءُ: سَمِعْتُ الحُسَيْنَ بنَ مَنْصُوْرٍ أبا عليّ النيسابوريّ يَقُوْلُ: كُنَّا عِنْدَ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، فَرَوَى حَدِيْثاً عَنْ سُفْيَانَ، فَقُلْتُ: خَالَفَكَ يَحْيَى بنُ يَحْيَى - هو التميمي الحافظ -!

فَقَالَ: كَيْفَ قَالَ يَحْيَى؟

فَأَخبَرتُهُ، فَضَرَبَ عَلَى حَدِيْثِهِ، وَقَالَ: "لا خَيْرَ فِيْمَا خَالَفَ فِيْهِ يَحْيَى بنُ يَحْيَى". [سير أعلام النبلاء: (10/514، 516)].

أقول:

الحديث في «مسند أحمد» في موضعين (27/197) (16638)، و(38/264) (23222) قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِاللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ صَفِيَّةَ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا».

ورواه أَبُو بَكْرٍ الخَلَّالُ في كتاب «السنة» (4/153) (1402) عن أَبي بَكْرٍ المَرُّوذِيّ، قال: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِاللَّهِ، قَالَ: حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِاللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ صَفِيَّةَ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا».

كذا فيه زيادة: «أو كاهناً» وهذه ليست في «المسند».

والحديث رواه الإمام مسلمٌ في «صحيحه» (4/1751) (2230) قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى العَنَزِيُّ، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِي: ابنَ سَعِيدٍ-، عَنْ عُبَيْدِاللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً».

ورواه البيهقي في «السنن الكبير» (8/238) (16510) من طريق مُوسَى بن هَارُونَ، عن مُحَمَّد بن المُثَنَّى، به.

ورواه أبو عوانة في «مستخرجه على مسلم» (17/552) (9864) من طريق عبدالله بن هاشم الطوسي. وأبو نُعيم في «الحلية» (10/406)، و«تاريخ أصبهان» (2/206) من طريق أَبي بَكْرِ بنِ خَلَّادٍ. كلاهما عن يَحْيَى بن سعيد القطان، بمثل حديث محمد بن المثنى.

وأشار ابن كثير في «مسند الفاروق» (1/270) إلى أن عليّ بن المديني رواه هكذا عن يحيى القطان.

وروى البخاري في «التاريخ الأوسط» (2/59) (1789) قال: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بنِ نَافِعٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ لَيْلَة».

ثم قال: حَدَّثَنِي صَدَقَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى وَعَبْدُاللَّهِ بنُ رَجَاءٍ، عَنْ عُبَيْدِاللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم، مثله.

قلت: أراد البخاري بيان أن الدراوردي أخطأ في حديثه، والصواب ما رواه صدقة بن الفضل المروزي، عن يحيى القطان، وعبدالله بن رجاء، عن عبيدالله، بمثل الحديث المتقدم.

وهنا استفدنا أن صدقة روى الحديث عن يحيى أيضاً، وذكر متابعة ليحيى، تابعه عليه: عبدالله بن رجاء، عن عبيدالله.

لكن إحالة البخاري على المتن السابق: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاة أَرْبَعِينَ لَيْلَة»، وليس فيه ما في رواية أحمد: «فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ»، ولا ما في رواية محمد بن المثنى ومن تابعه: «فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ»! فلا ندري هل وقع للبخاري عن صدقة كما أحال أم لا؟!

وعليه فلا نستطيع اعتماد ما ذكره البخاري في المقارنة بين رواية أحمد، والروايات الأخرى.

·       الاختلاف على يحيى القطان!

ويتبين لنا أن الاختلاف على يحيى في هذه الألفاظ، فأحمد قال: «فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ»، ومحمد بن المثنى، وعبدالله بن هاشم، وابن خلاّد قالوا: «فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ»!

وعليه فما قاله أحمد ليست زيادة كما نقل صاحبنا عمّن قاله، وإنما هو اختلاف في اللفظ. فرواية أحمد قيّدت عدم قبول الصلاة بتصديق العرّاف، ورواية الآخرين لم تقيّد، بل مجرد الإتيان والسؤال يعني عدم قبول الصلاة أربعين ليلة.

وفرق بين التصديق ومجرد السؤال، فالسؤال يعني عدم قبول الصلاة هذه المدة، وأما التصديق فهذا كفر مخرج من الملة كما في الأحاديث الأخرى، وأصحها ما قاله عبداللَّهِ بن مسعودٍ: «مَنْ أَتَى سَاحِرًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».

فمَنْ أَتَى عرّافاً فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أَنزَلَ الله عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، ومَنْ أتَاهُ غَيْرَ مُصَدِّقٍ بِهِ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ ليلةً.

وعليه فلا شك أن رواية الجماعة أصح، فهم جماعة، ومتن حديثهم هو الصواب المتفق مع الأحاديث الأخرى.

ولأن الاختلاف على يحيى بين أحمد والجماعة فبمقتضى القواعد الحديثية فنحكم للجماعة، ونقول بأن رواية أحمد خطأ! وهذا ما جعل ذلك الرجل يقول: إن أحمد أخطأ في هذه الرواية، لكن لم يزد كما قيل، بل خالف في اللفظ!

والصحيح أن أحمد لم يُخطئ في الحديث، وقد رواه كما سمعه من شيخه القطان، وقد توبع على هذا اللفظ.

·       متابعة لأحمد.

روى ابن بطّة في «الإبانة الكبرى» (2/730) (995) قال: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَمْرِو ابنِ البَخْتَرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بنُ مَنْصُورٍ الحَارِثِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِاللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ صَفِيَّةَ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا».

فها هو عبدالرحمن بن منصور قد تابع أحمد على هذه اللفظ: «فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ».

·       حال عبدالرحمن بن منصور الحارثي، وحديثه.

وعبدالرحمن هذا هو: ابن محمد بن مَنْصُور، أبو سعيد الحارثيّ البَغْداديُّ، البَصْرِيُّ الأصل، ويلقب كُرْبُزان (ت 271هـ).

سمع يَحْيَى بن سعيد القطان، ومعاذ بن هشام، وسالم بن نوح، ومالك بن إِسْمَاعِيل النهدي، وقريش بن أنس، ووهب بن جرير.

روى عنه: يَحْيَى بن صاعد، ومُحَمَّد بن مخلد، وأبو ذر القاسم بن داود، ومُحَمَّد بن أَحْمَد الحكيمي، وإِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الصفار، وحمزة بن القاسم الهاشمي، ومُحَمَّد بن عمرو الرزاز، وأبو جعفر بن البَخْتَرِيّ، وعبد الله بن إِسْحَاق الخُراسانيّ، وغيرهم.

وقد أكثر عنه أبو بكر ابن حيّان الملقب بوكيع في «أخبار القضاة».

قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (5/283): "كتبت عنه مع أبي وتكلموا فيه". وقال: سئل أبي عنه؟ فقال: "شيخٌ".

وذكره ابن عدي في «الكامل» (7/223) وقال: "حدّث بأشياء لا يتابعه أحد عليه، ويُقال: إنه آخر من حَدَّث عن يَحيي القطان".

ثم قال: سمعت إبراهيم بن مُحمد الجهني يقول: "كان موسى بن هارون الحمّال يرضاه، وكان حسن الرأي فيه".

وذكر له حديثاً واحداً تفرد به، لم يُتابع عليه.

وقال الدارقطني: "عبدالرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن مَنْصُور الحَارِثي، أبو سَعِيْد: لَيْسَ بِالقَوِيِّ". [«سؤالات الحاكم للدارقطني» (147)].

قلت: نظرت في حديثه فوجدته لا بأس به، وما يتفرد به يحتاج لوقفة، لكن في حديثنا هذا قد تابع الإمام أحمد، فلا يُرد حديثه.

·       بعض أخطاء يحيى القطان!

وعليه فالاختلاف في لفظ الحديث من يحيى القطان نفسه، وهو - وإن كان حافظاً جبلاً إلا أنه يُخطئ، لكنه قليل الخطأ، وهذا من نوادر أخطائه - رحمه الله -.

قال أَبُو حَفْصِ ابنُ شَاهِينَ في «تاريخ أسماء الثقات» (ص: 259) (1586): حدثَنَا عُثْمَانُ بنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بنُ إِسْحَاقَ، قال: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِاللَّهِ - يَعْنِي أَحْمَدَ بنَ حَنْبَلٍ -، قَالَ: "مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَقَلَّ خَطَأً مِنْ يَحْيَى بنِ سَعِيْدٍ، وَلَقَدْ أَخْطَأَ فِي أَحَادِيْثَ". ثُمَّ قَالَ أبو عبدِالله: "وَمَنْ يَعرَى مِنَ الخَطَأِ وَالتَّصْحِيْفِ؟!".

رواه الخطيب أيضاً في «تاريخ بغداد» (16/203) من طريق مُحَمَّد بن أَحْمَد بن رزق، عن عُثْمَان الدقاق.

قلت: وكأن الوهم دخل على يحيى؛ لأن عنده الحديث باللفظ الآخر لكن بإسناد آخر.

رواه أحمد في «مسنده» (15/331) (9536) قَالَ: حدثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَوْفٍ، قَالَ: حدثنا خِلَاسٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ».

ولفظ التصديق مع عدم قبول الصلاة مروي بإسناد آخر لا يصح!

رواه عبدالرزاق في «مصنفه» (9/83) (21271) عَنْ مَعْمَرٍ، عَن قَتَادَةَ، يَرْوِيهِ عَن بَعْضِهِمْ قَالَ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، لَمْ تُقْبَلْ صَلاَتُهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً».

ولا يُستنكر وهم يحيى بن سعيد القطان، فقد أشار أهل النقد إلى بعض أوهامه على قلتها، ومنها:

1- روى يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي بن حِراش، عن طارق بن عبدالله المحاربي، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «إذا كنت في الصلاة، فلا تبزق عن يمنيك ولا بين يديك، ولكن خلفك أو تلقاء شمالك أو تحت قدمك اليسرى».

قال ابن رجب في «فتح الباري» (3/130): "وقد أنكر الإمام أحمد هذه اللفظة في هذا الحديث، وهي قوله: «خلفك»، وقال: لم يقل ذَلِكَ وكيع ولا عبدالرزاق.

قالَ الدارقطني: هي وهمٌ من يحيى بن سعيد، ولم يذكرها جماعة من الحفاظ من أصحاب سفيان، وكذلك رواه أصحاب منصور عنه، لم يقل أحد منهم: «ابزق خلفك»".

2- وروى يحيى القطان عن سُفْيَان، عَنْ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ هُرْمُزَ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الجُمُعَةِ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ {ألم تَنْزِيلُ السَّجْدَةَ}، وَ{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ}»

ورواه أَبُو نُعَيْمٍ، عن سُفْيَان، وقال في حديثه: وفي الثانية: "{هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ}".

قال ابن رجب في «فتح الباري» (8/130): "وقد رواه يحيى القطان، عن سفيان، فقال في حديثه: وفي الثانية {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ}. خرَّجه من طريقه إلاسماعيلي في «صحيحه». والظاهر أن ذلك وهمٌ منه".

يعني أن القطان وهم في ذكره في الثانية: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ}، والصواب: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ}.

3- وروى يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ حَدِيث الحج الطويل عَنْ جعفر بن محمد بن عَلِيٍّ.

قال الخطيب في «الفصل للوصل المدرج في النقل» (2/671): "وكَانَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ يُدْرِجُ فِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا أَحْرُفًا، وَيَجْعَلُهَا مَرْفُوعَةً، وَهِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ رَكْعَتَيْنِ وَقَرَأَ فيهما بـ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}».

وَذَكَرَ قِرَاءَةَ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ خَاصَّةً فِي هَذَا الحَدِيثِ لَيْسَ بمرفوع، وإنما هو حكاية جعفر بن مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ كَمَا بَيَّنَهُ أَبُو أُوَيْسٍ عَنْ جَعْفَرٍ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ وُهَيْبٌ وَابنُ جُرَيْجٍ عَنْ جعفر، عن أبيه وقالا: لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ".

·       هل حذف ابن حجر لفظة «فصدّقه» لما ساق الحديث في «إتحاف المهرة»؟

قال صاحبنا إن ابن حجر حذف لفظة «فصدّقه» لما ساق الحديث في «إتحاف المهرة»! وهذا ليس بصحيح، فابن حجر ذكر حديث أبي عوانة من طريق عبدالله بن هاشم، وحديث الدراوردي بنفس إسناد يحيى القطان: «من أتى عرافاً، فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»، ثم أحال على رواية أحمد، فقال: "رواه أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيدالله، به".

فابن حجر هنا يختصر، ولم يقصد أن يحذف تلك اللفظة كما قال صاحبنا، وكأنه لم يتنبّه لهذه اللفظة، وإنما ركّز على إسناد الحديث عن يحيى القطان.

ولم يتنبه كذلك ابن تيمية لاختلاف اللفظين، فقال في «مجموع الفتاوى» (35/193): "وَرَوَى أَحْمَد وَمُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ؛ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ عُبَيْدٍ؛ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا»".

وكذا أصحاب «المسند الجامع» (20/823) فذكروا: "صفية بنت أبي عبيد، عن بعض ازواج النبي صلى الله عليه وسلم"، (17796): "عَنْ صَفِيَّةَ، عَنْ بَعْضِ ازْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ اتَى عَرَّافًا فَسَالَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةُ ارْبَعِينَ لَيْلَةٍ.

أخرجه أحمد 4/68 و5/380. و"مسلم" 7/37 قال: حدثنا محمد بن المثنى العَنزي.

كلاهما (أحمد بن حَنْبل، ومحمد بن المثنى) عن يحيى بن سعيد، عن عُبيدالله عن نافع، عن صفية، فذكرته" انتهى كلامهم.

والحاصل أن أحمد لم يخطئ في الحديث، وإنما رواه كما سمعه من شيخه يحيى القطان، والخطأ من يحيى نفسه، وكأنه توهّم هذه اللفظة من حديث آخر عنده، والله أعلم.

وجزى الله أخانا خيراً على هذا التنبيه الذي خرجنا منه بهذا التحرير.

 

·       هل وَهم الإمِام أحمد في ذكره لحديث: «لا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ» في «مسند عليّ بن أبي طالب»؟!

أخرج الإمام أحمد في «مسنده» في «مسند عليّ بن أبي طالب» (2/82) (655) قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُالمَلِكِ بنُ مُسْلِمٍ الحَنَفِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَكُونُ بِالبَادِيَةِ فَتَخْرُجُ مِنْ أَحَدِنَا الرُّوَيْحَةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، إِذَا فَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ» وَقَالَ مَرَّةً: «فِي أَدْبَارِهِنَّ».

قال شعيب الأرنؤوط ورفاقه في تعليقهم على «المسند»: "وإدراجُ هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب رضي الله عنه، خطأ، فإنه من مسند علي بن طلق، نَبّه على ذلك ابن عساكر في كتابه «ترتيب أسماء الصحابة» ص 84 وابن كثير في «تفسيره» 1/583".

وقالوا: "ومِنَ الناس من يُورِدُ هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب كما وقع في مسند الإمام أحمد بن حنبل، والصحيحُ أنه علي بن طلق".

وقالوا في موضع آخر (11/310): "وقد ثبت تحريم إتيان النساء في أدبارهن بأحاديث كثيرة: منها حديث علي بن طلق عند ابن أبي شيبة 4/251، والنسائي في الكبرى (9023)، وابن حبان (4199)، وقد وهم الإمام أحمد رحمه الله، فجعله من مسند علي بن أبي طالب، وذكره فيما سلف برقم (655)" انتهى.

قلت: نصّوا على أن أحمد وهم فيه!

·       اتفاق أهل العلم على أن الحديث من «عليّ بن طلق» لا من «علي بن أبي طالب»! 

قال ابن كثير في «تفسيره» (1/446) - بعد أن ذكر هذا الحديث من «مسند أحمد» -: " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُورِدُ هَذَا الحَدِيثَ فِي مُسْنَدِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ كَمَا وَقَعَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلِيُّ بنُ طَلْقٍ".

وقال السندي في «حاشيته على المسند» (1/477): "وقد رواه الترمذي في كتاب النكاح فقال في رواية عن علي بن طلق... ثم قال: ورى وكيع هذا الحديث... فذكره عن قتيبة عن وكيع بسند المؤلف الإمام، ثم قال: وعليٌّ هذا هو عليٌّ بن طلق. انتهى. والظاهر أنه نبّه على ذلك لئلا يتوهم أنه علي بن أبي طالب أو أنه اطلع على توهم بعضهم كالإمام، فنبه عليه، والله تعالى أعلم، وقد ذكره الإمام في مسند علي بن طلق في مسانيد الأنصار، وكذا ذكره أبو داود قبيل باب المذي في أبواب نواقض الوضوء بلفظ مختصر وقال: عن علي بن طلق، والعجب من صاحب «الترتيب» حيث جعل الحديث مما تفرد به الإمام المؤلف مع أنهما أخرجه الترمذي وأبو داود أيضًا، وكأنه نظر في التفرد كونه عن علي بن أبي طالب".

ورواه الترمذي في «جامعه» (2/460) (1166) قال: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِالمَلِكِ بنِ مُسْلِمٍ – وَهُوَ: ابنُ سَلاَّمٍ-، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ».

قال الترمذي: "وَعَلِيٌّ هَذَا هُوَ: عَلِيُّ بنُ طَلْقٍ".

ورواه أيضاً في «العلل الكبير» (ص: 43) (40) عن قُتَيْبَة، وَهَنَّاد، عن وَكِيع، به.

قال الترمذي: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: "لا أَعْرِفُ لِعَلِيِّ بنِ طَلْقٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ هَذَا الحَدِيثِ، وَهُوَ عِنْدِي غَيْرُ طَلْقِ بنِ عَلِيٍّ، وَلَا يُعْرَفَ هَذَا مِنْ حَدِيثِ طَلْقِ بنِ عَلِيٍّ".

وفي النسخة التي حققها محمود خليل الصعيدي زيادة: "وَعِيسَى بنُ حِطَّانَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ هَذَا الحَدِيثَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، فَقُلْتُ لَهُ: أَتَعْرِفُ هَذَا الحَدِيثَ الَّذِي رَوَى عَلِيُّ بنُ طَلْقٍ مِنْ حَدِيثِ طَلْقِ بنِ عَلِيٍّ؟ فقالَ: لا".

وقال النسائي في «السنن الكبرى» (8/202): "ذِكْرُ حَدِيثِ عَلِيِّ بنِ طَلْقٍ فِي إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ"، ثم روى الحديث عن هَنَّاد بن السَّرِيِّ، عَنْ وَكِيعٍ.

ثم ساقه من طريق أَبي سَلَامٍ عَبْدالمَلِكِ بن مُسْلِمِ بنِ سَلَامٍ، وعَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، كلاهما عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بنِ سَلَامٍ، عَنْ عَلِيِّ بنِ طَلْقٍ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الحديث.

وذكر أصحاب كتب الصحابة هذا الحديث في ترجمة «عَلِيّ بن طَلْقِ بن المُنْذِرِ بنِ قَيْسِ بنِ عَمْرٍو بنِ عَبْدِاللهِ بنِ عَبْدِ العُزَّى بنِ سُحَيْمِ بنِ مُرَّةَ بنِ الدُّولِ بنِ حَنِيفَةَ».

وقال الطبري في «تهذيب الآثار - مسند علي» (3/274): "خَبَرٌ إِنَّمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عَنْ عَلِيِّ بنِ طَلْقٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ".

ثم ذَكَرَ مَنْ رَوَى هَذَا الخَبَرَ عَنْ عَلِيِّ بنِ طَلْقٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وذكر ابن الجوزي حديث أحمد عن وكيع في «جامع المسانيد» (6/166) (5528) في «مسند علي بن أبي طالب».

وذكره المزي في «تحفة الأشراف» (7/471) في «مسند علي بن طلق اليماميِّ».

وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/243) (1256): "وَعَنْ عَلِيٍّ - يَعْنِي ابنَ أَبِي طَالِبٍ - قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ...». رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ فِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بنِ طَلْقٍ الْحَنَفِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ قَبْلَهُ كَمَا تَرَاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ".

وقال ابن حجر في «إطراف المسند المعتلي بأطراف المسند الحنبلي» (4/474) (6400)، و«إتحاف المهرة» (11/626) (14760): "أَحْمَدُ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِالمَلِكِ بنِ مُسْلِمٍ الحَنَفِيِّ، عَنْ أَبِيهِ.

قُلْتُ: الَّذِي يَتَبَادَرُ إِلَى ذِهْنِي: أَنَّ عَلِيًّا رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ: عَلِيُّ بنُ طَلْقٍ الْحَنَفِيُّ، فَإِنَّ الرَّاوِيَ عَنْهُ حَنَفِيٌّ أَيْضًا، وَالحَدِيثُ مَعْرُوفٌ مِنْ طَرِيقِهِ، وَلَكِنْ كَذَا وَجَدْتُهُ فِي مُسْنَدِ: عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ".

وقال في «التلخيص الحبير» (1/653): "قَوْلُهُ – أي الرافعي -: «لِمَا يُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ»، هَكَذَا نَسَبَهُ فَقَالَ: عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ غَلَطٌ، وَالصَّوَابُ: عَلِيُّ بنُ طَلْقٍ، وَهُوَ اليَمَامِيُّ، كَذَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِهِ: أَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ: «لَمْ يَقُلْ فِيهِ: وَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ، إلَّا جَرِيرُ بنُ عَبْدِالحَمِيدِ»، وَأَعَلَّهُ ابنُ القَطَّانِ بِأَنَّ مُسْلِمَ بنَ سَلَّامٍ الحَنَفِيَّ لَا يُعْرَفُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: قَالَ البُخَارِيُّ: لَا أَعْلَمُ لِعَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ ولا أعرف هذا مِنْ حَدِيثِ طَلْقِ بنِ عَلِيٍّ كَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ هَذَا رَجُلٌ آخَرُ، وَمَالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ إلَى أَنَّهُمَا وَاحِدٌ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَرَاهُ وَالِدَ طَلْقِ بنِ عَلِيٍّ".

قال البُلقيني في «البدر المنير» (4/99) - عند ذكره لهذا الحديث -: "تَنْبِيه: وَقع فِي بعض نسخ الرَّافِعِيّ بدل عَلّي بن طلق: عَلّي بن أبي طَالب، وَهُوَ من النَّاسِخ فاجتنبه".

قلت: لم يُشر ابن حجر إلى اختلاف في نسخ كتاب الرافعي، فالله أعلم!

وقال البلقيني في موضع آخر (7/653): "وَرُوِيَ النَّهْي عَن ذَلِك أَيْضاً من حَدِيث جماعات من الصَّحَابَة: ... وَعلي، وَعلي بن طلق، وطلق بن عَلّي...".

ثم قال: "وَأما حَدِيث عَلّي؛ فَأخْرجهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» من حَدِيث عبدالملك بن مُسلم الحَنَفِيّ، عَن أَبِيه، عَنهُ مَرْفُوعاً... وَأما حَدِيث عَلّي بن طلق...".

وساق الخطيب هذا الحديث في ترجمة «عبدالملك بن مسلم» من «تاريخه» (12/140) ساقه من طريق شَبَابَة بن سَوَّارٍ، عن عَبْدالمَلِكِ بنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بنِ سَلامٍ، عَنْ عَلِيٍّ.

ثم ساقه من طريق أحمد من «مُسْنده» عن وكيع.

ثم قال: "هكذا روى هَذَا الحديث وكيع بن الجراح، عن عبدالملك بن مسلم، عن أبيه، ولم يسمعه عبدالملك من أبيه، وإنما رواه عن عيسى بن حطان، عن أبيه مسلم بن سلام كما سقناه عن شبابة عنه، وقد وافق شبابة: عُبيدالله بن موسى، وأبو نُعيم، وأبو قتيبة سَلْم بن قتيبة، وأحمد بن خالد الوهبي، وعلي بن نصر الجهضمي، فرووه كلهم عن عبدالملك، عن عيسى بن حطّان، عن مسلم بن سلام.

وعليّ الذي أسند هذا الحديث ليس بابن أبي طالب، وإنما هو: علي بن طلق الحنفي، بيّن نسبة الجماعة الذين سميناهم في روايتهم هذا الحديث عن عبدالملك، وقد وَهم غير واحد من أهل العلم فأخرج هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

وقد نقل أحمد الغُماري في «المُداوي» (2/333) عن الحافظ ابن حجر قوله بعد قول الخطيب: "وأظن الوهم فيه من عبداللَّه بن أحمد بن حنبل، فإنه هو الذي رتّب مسند أبيه، ثم تبيّن لي أن وكيعًا هو الذي وهم فيه".

وأظنّه نقل هذا من من كتاب ابن حجر «تحفة المُستريض بحكم التَّحْمِيض»، ونقله يتجه حول إيراد الحديث في «مسند علي بن أبي طالب» = يعني أن عبدالله هو من أورده في هذا المسند؛ لأنه من رتّبه، ولا علاقة لأبيه أحمد في إيراده في «مسند علي بن أبي طالب».

وقوله: "ثم تبيّن لي أن وكيعاً هو الذي وهم فيه" فلا يتجه مع مسألة إيراده في «مسند علي بن أبي طالب»! فهو وهّم عبدالله بن أحمد، ثم قال بأن الوهم من وكيع! وما دخل وكيع في إيراد الحديث في «مسند علي بن أبي طالب»!

وأظن توهيم ابن حجر لوكيع يتعلق بمخالفته للآخرين في الحديث كما بيّن الخطيب، فيحتمل أن هناك بعض الخلل في النقل عن ابن حجر، والله أعلم.

·       وهم وكيع فيه! والرد على د. ماهر الفحل!

والخلاصة أن وكيعاً وَهِم في إسناد الحديث.

وقال د. ماهر الفحل في «الجامع في العلل والفوائد» (1/476): "وخالف وكيعاً أحمد بن خالد. فقد أخرجه: النَّسائيُّ في الكبرى (9024) ط. العلمية و (8975) ط. الرسالة من طريق أحمد بن خالد، عن أبي سلام عبدالملك، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن عليِّ بن طلق. وقد توبع أحمد. فقد أخرجه: الخطيب في تالي تلخيص المتشابه (54) من طريق شبابة، قال: حدثنا عبدالملك بن مسلم، عن عيسى بن حطّان، به.

قلت: وعلى الرغم من هذه المتابعة إلا أنَّ الوهم لا يحمل على وكيع لجلالته، وإنَّما يكون الاختلاف من عبدالملك نفسه. إلا أنَّ ما يرجح طريق أحمد أنَّ الحديث روي من غير طريق عبد الملك فجاء بنحو رواية أحمد" انتهى.

قلت: حاصل قول الدكتور الفحل أن عبدالملك رواه على وجهين:

الأول: عن أبيه، عن علي.

والثاني: عن عيسى بن حطّان، عن مسلم بن سلام، عن علي.

وهذا يعني أن عبدالملك حدّث بالحديث أكثر من مرة، فرواه هكذا وهكذا! فهل يُعقل أن وكيعاً وحده سمعه منه هكذا، وسمعه ستة منه على وجه آخر في مجلس آخر؟! هذا بعيد، فالأصل أن تحديثه بالحديث كان في مجلس واحد إلا إذا جاء نص أو قرينة أن وكيعاً سمعه وحده هكذا!

ثم هل هذا هو منهج أهل النقد في بيان أوهام الرواة: أنهم يلصقون الوهم براو اختلف عليه لجلالة من يروي عنه؟!

·       من أوهام وكيع في الأحاديث!

نعم، وكيع - رحمه الله - له جلالة، وهو من أساطين الرواية، وجبل من الجبال، لكن هو كغيره له أوهام، ومنها:

1- قال ابن أبي حاتم في «العلل» (2/120) (255): وسألتُ أَبَا زُرْعَةَ عَنْ حديثٍ رَوَاهُ وكيعُ بن الجرَّاح، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَن حارثة، عَن خَبَّاب: «شَكَوْنَا إِلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرَّمْضَاءَ، فلم يُشْكِنَا»؟

قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: "أَخْطَأَ فِيهِ وكيعٌ؛ إِنَّمَا هُوَ عَلَى ما رَوَاهُ شُعْبَة، وسُفْيان، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بنِ وَهْب، عن خَبَّاب، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم".

2- وقال ابن أبي حاتم (4/490) (1592): وسُئِلَ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ حديثٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ يَحْيَي بنِ جَعْفَرٍ المازِني، عَنْ هِلالِ بنِ يَزِيدَ المَازِنِيِّ، قَالَ: «رأيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقْطَعُ البُسْرَ مِنَ التَّمْرِ بالمِقْراضَيْنِ» - يَعْنِي: "أَنَّهُ يَكْرَهُ أنْ يَنْبِذَ التَّمْرَ والبُسْرَ؛ يَجْمَعُ بينهما".

ورَوى أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، عَنْ عبدالصمد بن عبدِالوارثِ وَأَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، عَنْ يَحْيَى بنِ يَعْفُر، عَنْ هِلالِ بنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

فسئل أَبُو زُرْعَةَ: أيُّهما الصَّحيحُ؟ قَالَ: "يحيى بن يَعْفُر".

وقال عبدالله بن أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (3/48، 489): قَالَ أبي: "أَخطَأ وَكِيع، إِنَّمَا هُوَ: يحيى بن يعفر".

وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (8/311): "وقَالَ وكيع: يحيى بن جَعْفَر، وهو وهمٌ".

وقال ابن أبي حاتم عن أبيه في «الجرح والتعديل» (9/157): "وكان وكيع يغلط فيه ويقول: يحيى بن جعفر المازني".

وقال ابن حبان في «الثقات» (9/254): "وَقد وهم وَكِيع حَيْثُ قَالَ يحيى بن جَعْفَر".

3- وقال ابن أبي حاتم في «العلل» (1/634) (161): وسُئِلَ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ حديثٍ رَوَاهُ قَبِيصَة، عَنْ سُفْيان، عَن أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ، عَنْ سَالِمِ بنِ النُّعْمان، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ جُهَينة يُقالُ لَهَا: أمُّ صَفِيَّة - هَكَذَا قَالَ قَبيصة! - قَالَتْ: نازَعْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فِي الوُضُوء مِنْ إناءٍ واحِدٍ.

وَرَوَاهُ وكيعٌ، عَنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ، عَنِ النُّعْمان بنِ خَرَّبُوذَ، عَنْ أُمِّ صُبَيَّة... هَذَا الحديثَ.

وَرَوَاهُ ابنُ وَهْب، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ النُّعْمان، عَنْ أُمِّ صُبَيَّة.

وَرَوَاهُ خارجَةُ بنُ الحَارِثِ، عَنْ سَالِمِ بنِ سَرْج؛ سمعتُ أمَّ صُبَيَّة... فذكَرَ الحديثَ؟

فقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: "هَكَذَا قَالَ قَبِيصَة: أُمُّ صَفِيَّة، وَإِنَّمَا هِيَ: أُمُّ صُبَيَّة، وَاسْمُهَا: خَوْلَة بِنْتُ قَيْسٍ، ووَهِمَ وكيعٌ فِي الحَدِيثِ، والصَّحيحُ: حديثُ ابنِ وَهْب. وسالمٌ: ابنُ النُّعْمانِ بنِ سَرْج".

قَالَ ابن أبي حاتم: "يَعْنِي: أنَّ وَكِيعًا قَالَ: عَنِ النُّعْمان بْنِ خَرَّبُوذَ؛ فَهَذَا الَّذِي وَهِمَ فِيهِ".

4- وقال ابن أبي حاتم (3/341) (915): وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ وكيعٌ، عَنْ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ، عن عبدالله بنِ يَزِيدَ، عَنِ ابنِ نِيَار، عَنْ عُرْوَة، عَنْ عَائِشَة، عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ فِي قصَّة الرَّجُل الَّذِي أَتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم حين خرجَ إلى بَدْر، فَقَالَ: جئتُكَ لأِبايِعَكَ وأُصِيبَ مَعَكَ، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَتُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟، قَالَ: لا، ثُمَّ أتاهُ فَقَالَ: نَعَمْ... وذكَرَ الحديثَ؟

قَالَ: "هَذَا وَهَمٌ، وَهِمَ فِيهِ وكيعٌ؛ إِنَّمَا هُوَ: عَنِ الفُضَيل بن أبي عبدالله، عن عبدالله بْنِ نِيار، عَنْ عُرْوَة، عَنْ عائِشَة؛ وَهَذَا الصَّحيحُ".

5- وقال ابن أبي حاتم (4/593) (1665): وسمعتُ أَبَا زُرْعَةَ وَذَكَرَ حَدِيثًا رَوَاهُ وَكِيعٌ، عَنْ حمَّاد بنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بن مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الجَوْزاء، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الإْنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ}؛ قال: لكَفور.

فَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: "هَذَا وهمٌ؛ وَهِمَ فِيهِ وكيعٌ؛ إِنَّمَا هُوَ: عن أبي الجَوْزاء فقَطْ".

يعني: زاد فيه وكيع: "عن ابن عباس".

6- قال أحمد في «مسنده» (19/219) (12180): حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنِي هَمَّامٌ، عَنْ غَالِبٍ - هَكَذَا قَالَ وَكِيعٌ: غَالِبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو غَالِبٍ -، عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّهُ أُتِيَ بِجِنَازَةِ رَجُلٍ فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِ السَّرِيرِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجِنَازَةِ امْرَأَةٍ فَقَامَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ حِذَاءَ السَّرِيرِ... الحديث».

قلت: وهم وكيع في قوله: "عن غالب"، وإنما هو: "أبو غالب"، وكأنه سقطت عليه أداة الكنية.

وقد رواه عن همام جماعة، منهم: يَزِيد بن هارون [كما عند أحمد في «المسند» (20/380) (13114)]، وسَعِيد بن عَامِرٍ [كما عند الترمذي في «جامعه» (2/465) (1494)، وابن ماجه في «سننه» (2/465) (1494)] عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ صَلَّى عَلَى جِنَازَةِ، الحديث.

وقال الترمذي بعد أن أخرجه: "وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ هَمَّامٍ، مِثْلَ هَذَا وَرَوَى وَكِيعٌ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ هَمَّامٍ فَوَهِمَ فِيهِ، فَقَالَ: عَنْ غَالِبٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَالصَّحِيحُ عَنْ أَبِي غَالِبٍ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ عَبْدُالوَارِثِ بنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي غَالِبٍ، مِثْلَ رِوَايَةِ هَمَّامٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي اسْمِ أَبِي غَالِبٍ هَذَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُقَالُ: اسْمُهُ نَافِعٌ وَيُقَالُ: رَافِعٌ".

وقال الدارقطني في «العلل» (12/217) (2639) لما سئل عن هذا الحديث: "يرويه همام بن يحيى عن أبي غالب، عن أنس، وقال أحمد بن حنبل: حدثنا وكيع، عن همام فقال: عن غالب، عن أنس، وإنما هو: أبو غالب".

وعليه فقد أخطأ الدكتور الفحل في نسبة الوهم لعبدالملك، والخطأ من وكيع لا شك فيه.

ووكيع لم يَنسب علياً في روايته، فالأصل أن الصحابي إذا أُطلق في الإسناد ولم يُنسب فهو: «عليّ بن أبي طالب»، ولهذا أورده أحمد أو ابنه في «مسند علي بن أبي طالب»، ثم لما نسبه الآخرون بأنه «ابن طلق» أورده أحمد في «مسند علي بن طلق».

·       كيف يورد أحمد الأحاديث في «مسنده»!

قال أحمد في «المسند» (39/468) (33): حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّزَّاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَاصِمِ بنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُسْلِمِ بنِ سَلَّامٍ، عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ، عَنْ عَلِيِّ بْن طَلْقٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا فَسَا أَحَدُكُم، فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَسْتَاهِهِنَّ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ».

ثم قال (34): حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، قال: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بنِ سَلَّامٍ، عَنْ عَلِيِّ بن طَلْقٍ، قَالَ: أَتَى أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الحديث بطوله.

ثم قال: (35): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، قال: سَمِعْتُ عِيسَى بنَ حِطَّانَ، يُحَدِّثُ عَنْ مُسْلِمِ بنِ سَلَّامٍ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ.

ثم قال (36): حَدَّثَنَا عَبْدُالرَّزَّاقِ، قال: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بنِ سَلَّامٍ، عَنْ عَلِيِّ بنِ طَلْقٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُؤْتِى النِّسَاءُ فِي أَدْبَارِهِنَّ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ».

فأحمد ليس بغافل عن هذا الحديث، وإنما ذكره في مكانه بحسب ما وقع له في الأسانيد، فلم يُنسب في رواية وكيع فأورده في «مسند علي بن أبي طالب»، وهذا لا يُعد وهماً، فإيراده هنا هو الصواب، وأما مسألة من هو فتلك مسألة أخرى، ولأن غير وكيع نسبوه «علي بن طلق» ذهب كثير من أهل العلم كالبخاري والترمذي والنسائي والخطيب وغيرهم أن علياً الذي في إسناد وكيع هو: علي بن طلق.

والظاهر أن بعض الرواة كان ينسبه، وبعضهم لم يكن ينسبه.

فقد روى أبو عُبيد في كتاب «الطهور» (ص: 397) (398) قال: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ، عَنْ عَبْدِالمَلِكِ بنِ مُسْلِمٍ الحَنَفِيِّ، عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بنِ سَلَّامٍ، عَنْ عَلِيٍّ - يَعْنِي ابنَ طَلْقٍ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا، أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ، الحديث.

ثم قَالَ: حدثنا حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ، عَنْ عَاصِمِ بنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بنِ سَلَّامٍ، عَنْ عَلِيِّ بنِ طَلْقٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ يَجِيءُ فَيُصَلِّي».

قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: "هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الحَدِيثِ الْأَوَّلِ: لَا أُرَاهُ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ، إِنَّمَا هُوَ عِنْدَنَا عَلِيُّ بنُ طَلْقٍ؛ لِأَنَّهُ حَدِيثُهُ المَعْرُوفُ عَنْهُ، وَكَانَ رَجُلًا مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ مِنْ أَهْلِ اليَمَامَةِ وَأَحْسِبُهَ وَالِدَ طَلْقِ بنِ عَلِيٍّ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ".

قلت: بنى أبو عُبيد أنه: علي بن طلق على ما اشتهر من أن هذا الحديث حديثه كما جاء منسوباً في أسانيد كثيرة.

وروى الخطيب في «تالي تلخيص المتشابه» (1/132) (54) من طريق عَبَّاس بن مُحَمَّد الدوري، قال: حَدثنَا شَبابَة، قال: حَدثنَا عبدالملك بن مُسلم، عَن عِيسَى بن حطَّان، عَن مُسلم بن سَلام عَن عَليّ - قَالَ شَبابَة: فَسَأَلته: ابن طلق؟ فَقَالَ: أرى، قَالَ جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَال...".

قلت: ففي هذا الإسناد لم يُنسب، ولهذا سأل عباساً الدوري ابن معين: هل علي هذا هو: ابن طلق؟ فقال: "أرى".

وكأن هذا من ابن معين فيه عدم الجزم = فهو على الاحتمال، والله أعلم.

·       رواية نفيسة، وإثبات أن علياً هو: ابن أبي طالب.

وقد روى الخرائطي في كتاب «مساوئ الأخلاق» (ص: 213) (453) قال: حَدَّثَنَا سَعْدَانُ بنُ يَزِيدَ البَزَّازُ، قال: حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ، قال: أنبأنا عَبْدُالمَلِكِ بنُ مُسْلِمٍ الحَنَفِيُّ، قال: حدثنا عِيسَى بنُ حِطَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بنِ سَلَّامٍ أَبِي عَبْدِالمَلِكِ - وَقَدْ كَانَ أَدْرَكَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَشَهِدَ مَعَهُ -، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَكُونُ بِالبَادِيَةِ، الحديث.

فهذا التعريف الذي في الإسناد أن مسلم بن سلاّم كان قد أدرك علياً وشهد معه يقطع بأن علياً الذي في الإسناد هو: علي بن أبي طالب، وأن ما جاء من نسبته في الروايات الأخرى إنما هو من فعل الرواة، فنسبوه: ابن طلق.

وكأنهم ظنّوا أنه علي بن طلق الحنفي؛ لأن مسلم بن سلام حنفيّ!

ومما يؤيد أن علياً هنا هو: علي بن أبي طالب: أن عيسى بن حِطان وهو كوفي يروي عن أصحاب عليّ ممن نسبتهم "الحنفي" في الكوفة.

روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» (9/559) (18287) قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِالمَلِكِ بنِ مُسْلِمٍ الْحَنَفِيِّ، عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ، عَنِ الريَّانِ بنِ صَبِرَةَ الحَنَفِيِّ: أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ، فَأَخَذَ نَوَاةً، فَقَالَ: نَوَاةٌ طَالِقٌ، نَوَاةٌ طَالِقٌ، ثَلاَثًا، قَالَ: فَرُفِعَ إلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: مَا نَوَيْتَ؟، قَالَ: نَوَيْتُ امْرَأَتِي، قَالَ: فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا.

·       بنو حنيفة غالبهم نزل اليمامة، وبعضهم نزل الكوفة وكانوا من أصحاب علي - رضي الله عنه -.

قلت: فبنو حنيفة كان لهم مسجد في الكوفة وكان عيسى بن حِطان يروي عنهم عن علي بن أبي طالب.

وبنو حنيفة كانوا قد تبعوا مُسيلمة الكذّاب المتنبي، ثم أسلموا زمن أبى بكر رضي الله عنه، وأكثرهم نزلوا اليمامة، وكان من ضمن سبي بني حنيفة: خولة بنت جعفر بن قيس بن سلمة بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدُّولِ بْنِ حَنِيفَةَ، فأعطاها أبو بكر لعلي بن أبي طالب، وسميت الحنفية، وغلب عليها هذا الاسم؛ لأنها كانت من سبي بني حنيفة، فولدت لعليّ محمداً، وغلب عليه اسم: محمد ابن الحنفية نُسب إلى أمّه، فالظاهر أن بعض من أسلم من بني حنيفة نزل الكوفة مع عليّ.

وهنا فائدة أنه ليس كل «حنفي» يمامياً، بل منهم الكوفيون أيضاً.

قال البخاري في «التاريخ الكبير» (3/333) (1128): "ريان بن صبرة الحنفي، سَمِعَ علياً، روى عنه: عيسى بن حطان".

وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (3/514) (2323): "ريان بن صبرة الحنفي: روى عن علي رضي الله عنه، روى عنه: عيسى بن حطان، سمعت أبي يقول ذلك".

ثم قال: "وروى أبو أسامة عَنْ إِسْمَاعِيلَ بنِ زَرْبِيٍّ عنه".

وقال ابن حبان في «الثقات» (4/242) (2715): "رَيَّان بن صبيرة الحَنَفِيّ يروي عَن ابن عمر، روى عَنهُ: عِيسَى بن حطَّان".

قلت: كذا في المطبوع: "صبيرة"! وهو خطأ، والصواب: "صبرة"، وفيه: "عن ابن عمر" وهو تحريف فاحش، والصواب: "عن علي".

وقال ابن العديم في «بغية الطلب فى تاريخ حلب» (8/3726): "ريّان بن صبره بن هوذة الحنفي: روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقيل إنه شهد معه صفين، روى عنه عيسى بن حطّان، وإِسْمَاعِيلُ بنُ زَرْبِيٍّ".

وعيسى بن حِطان كوفي.

·       خطأ في أصل تاريخ البخاري!

قال البخاري في «التاريخ الكبير» (6/387) (2727): "عِيسَى بن حطان العائذي، عَنْ عَلِيّ - رَضِيَ الله عنه -، وريان بن صبرة، ومُسْلِم بن سلام، روى عَنْهُ: عَبْدالمَلِك بن مُسْلِم".

كذا في مطبوعات «التاريخ الكبير» وكذلك في النسخ المخطوطة التي وقفت عليها: "عيسى بن حطان عن علي"!

وتبعه على ذلك ابن حبان، فقال في «الثقات» (5/215) (4578): "عِيسَى بن حطَّان العائذي، يَرْوِي عَن علي، روى عَنهُ: عَبْدالملك بن مُسلم".

وتعقب الرازيان البخاري في ذلك.

قال ابن أبي حاتم في «بيان خطأ البخاري في تاريخه» (1/87) (395): "عيسى بن حطان العائذي روى عن علي، وإنما هو: عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق. سمعت أبي يقول كما قال".

قلت: تعقبه الرازيان في أنه جعل رواية عيسى مباشرة عن علي! وإنما هو يروي عن علي بواسطة مسلم بن سلام، وكأنهما يريان أن البخاري يذهب إلى أن علياً هنا هو: ابن أبي طالب، ولهذا قالا: "عن علي بن طلق".

والصواب كما قالا في أن عيسى بن حطان يروي عن مسلم بن سلام عن عليّ، لا أنه يروي عن عليه مباشرة، ولا أدري هل الخطأ في أصل البخاري = يعني أن الخطأ منه أم لا؛ لأنه لا يعرف لمسلم بن سلام إلا هذا الحديث، وقول البخاري في الترجمة إن عيسى روى عنه = فهو هذا الحديث الذي يرويه عن علي، وعليه فيحتمل أنه حصل خلط في أصل النسخة، لكن يبعد ذلك؛ لأن البخاري عادة ما يذكر الصحابي ثم التابعين، فذكر هنا روايته عن علي، ثم صبرة، ثم مسلم بن سلام، فيبدو أن الخطأ من الإمام الجبل البخاري.

ويُحتمل أنه اعتمد على هذا الحديث في ذكر روايته عن مسلم بن سلام، ووقع له رواية أخرى مباشرة عن علي، فقال ما قال، والله أعلم.

ويُستفاد من الترجمة التي ذكرها البخاري - وإن حصل فيها خطأ - أن علياً هنا هو ابن أبي طالب، وليس كما ذهب الرازيان.

·       هل «عيسى بن حطان العائذي» و«عيسى بن حطان الرقاشي» واحد أم اثنان؟

وعلّق المعلمي على ترجمة «عيسى بن حطان» بقوله: "قلت: ذكره ابن حبان في ج 2 من «ثقاته»، ولم يذكره ابن أبي حاتم، وأما في اللسان فبحث فيه، وفيمن قبله أهما واحد أم اثنان فراجعه".

قلت: لم يذكره ابن أبي حاتم منفرداً؛ لأنه هو وأبوه جمعا بينه وبين «عيسى بن حطان الرقاشي».

قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (6/273) (1515): "عيسى بن حطان الرقاشي، روى عن عبدالله بن عمرو، ومصعب بن سعد، ومسلم بن سلام، روى عنه: محمد بن جحادة، وعلى بن زيد، سمعت أبي يقول ذلك".

قال ابن أبي حاتم: "روى عنه: عاصم الأحول، وعبدالملك بن مسلم الحنفي".

وقد فرّق بينهما البخاري، فقال في «التاريخ الكبير» (6/386) (2726): "عِيسَى بن حطان الرقاشي عَنْ مصعب بن سعد، وعبدالله بن عمرو رضي الله عَنْهُمَا، روى عَنْهُ: مُحَمَّد بن جحادة، نسبه حمّاد بن سلمة عن علي بن زيد".

وتبعه ابن حبان في التفريق بينهما، فقال في «الثقات» (5/213) (4574): "عِيسَى بن حطَّان الرقاشِي، يَرْوِي عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عَمْرٍو، عِداده فِي أهل البَصْرَة، روى عَنهُ: مُحَمَّد بن جحادة، وعَلي بن زيد بن جُدعَان".

وتبعهما الخطيب في «المتفق والمفترق» (3/1598) فقال: "عيسى بن حطان اثنان، أحدهما: عيسى بن حطان الرقاشي، حدّث عن عبدالله بن عمرو بن العاص، ومصعب بن سعد، روى عنه: محمد بن جحادة، وزيد بن عياض".

ثم قال: "والآخر: عيسى بن حطان العائذي، حدّث عن ريان بن صبرة، ومسلم بن سلام، روى عنه: عبدالملك بن مسلم الحنفي، وعاصم الأحول، وليث بن أبي سليم، وبسام الصيرفي".

وجمع بينهما المزي في «تهذيب الكمال» (22/590) (4620) قال: "عيسى بن حطان الرقاشي، ويُقال: العائذي، ويُقال: إنهما اثنان.

رَوَى عَن: ريان بْن صبرة بن هوذة الحنفي، وعَبْداللَّه بن عَمْرو بن العاص، وعلي بن أَبي طالب، وعلي بن طلق الحنفي (س) على خلاف فيه، وعمرو بن ميمون الأَودِيّ، ومسلم بن سلام الحنفي (د ت س)، ومصعب بن سعد بن أَبي وقاص.

رَوَى عَنه: بسام الصيرفي، وزيد بن عياض البَصْرِيّ، وعاصم الأحول (د ت س)، وعَبْدالملك بن مسلم بن سلام الحنفي (س)، وعلي بن زيد بن جدعان، وليث بن أَبي سليم، ومحمد بن جحادة".

وقال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (8/208): "قلت: فرّق بين الرقاشي والعائذي: البخاري، ويعقوب بن سفيان، وابن حبان والخطيب في المتفق، وجزم بأن الذي يروي عن عبدالله بن عمرو هو الرقاشي".

وقال ابن عبدالبر في ترجمة «عمرو بن ميمون الأودي» في «الاستيعاب» (3/1206) - حول روايته عما رآه في الجاهلية من رجم القردة لقردة زنت -: "وأما القصة بطولها فإنها تدور على عبدالملك بن مسلم، عن عيسى بن حطان، وليسا ممن يحتج بهما، وَهَذَا عِنْدَ جماعة أهل العلم منكر إضافة الزنا إِلَى غير مكلف، وإقامة الحدود فِي البهائم، ولو صح لكانوا من الجن؛ لأن العبادات فِي الجن والإنس دون غيرهما، وقد كَانَ الرجم في التوراة".

قال الذهبي في «الميزان» (3/311) (6556): "عيسى بن حطان، حدّث عنه: عبدالعزيز بن مسلم. قال أبو عمر ابن عبدالبر: ليسا ممن يُحتج بهما. قلت: فأما عيسى بن حطان الرقاشي فتابعي. روى عنه: عاصم الأحول، وعلي بن يزيد. وُثّق".

وقال ابن حجر في «لسان الميزان» (6/260) (5921): "وهذان أظنهما والأول واحداً؛ لأن الرواة عنهم بصريون والرقاشي أخرج له أصحاب السنن الثلاثة. وأما قول ابن عبدالبر في عبدالعزيز بن مسلم: لاَ يُحْتَجُّ به فمردود، فإنه من رجال الصحيح. وفي ثقات ابن حبان أيضًا: عيسى بن حطان، عَن عَلِيّ، وعنه: عبدالملك بن مسلم. وهذا هو الذي قبله فإن كلام ابن عبدالبر لم يقع فيه: عبدالعزيز، وإنما وقع فيه: عبدالملك".

قلت: الراجح أنهما واحد، من الطبقة نفسها، والذي نسب الرقاشي هو حمّاد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان كما ذكر البخاري، وعلي بن زيد ضعيف، فكأنه تحرّف عليه «العائذي» إلى «الرقاشي»، والله أعلم.

ثم إن من فرّقوا بينهما قالوا إن الرقاشي يروي عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، ولم يذكروا أن عاصماً الأحول روى عنه! مع أن حديثه عن مصعب من رواية عاصم، والذي يروي عاصم عنه هو العائذي.

قال ابن أبي شيبة في «مصنفه» (12/393) (24956): حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ، عَنْ مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا اشْتَكَى صَدْرَهُ صُنِعَ لَهُ الحَسْوُ فِيهِ الثُّومُ فَيَحْسُوهُ».

وقد روى أَبُو مُعَاوِيَةَ وغيره عن عَاصِم، عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بنِ سَلَّامٍ، عَنْ عَلِيِّ بن طَلْقٍ، قَالَ: أَتَى أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الحديث.

فدلّ على أن الذي يروي عن مصعب بن سعد هو الذي يروي عن مسلم بن سلام، وهو العائذي.

وأما رواية علي بن زيد بن جدعان فلم يُصرّح البخاري أنه روى عن عيسى بن حطان، وإنما قال: "روى عَنْهُ: مُحَمَّد بن جحادة، نسبه حمّاد بن سلمة عن علي بن زيد" = فكلامه هذا ليس فيه أن علي بن زيد روى عنه، لكن ظاهر النص أنه ربما يدلّ على أنه روى عنه، وكأن أبا حاتم، وابن حبان فهما هذا من كلام البخاري فذكرا أن علي بن زيد يروي عنه في ترجمته.

وقال البخاري في «التاريخ الأوسط» (1/263) (1279): "وَيُرْوَي عَنْ عَلِيِّ بنِ زَيْدٍ عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عَمْرٍو رَفَعَهُ فِي أَوْلَادِ الزِّنَا، وَلَا يَصِحُّ".

قلت: فلم يذكر البخاري هنا الواسطة بين علي بن زيد وبين عيسى بن حطان، وهذا يؤيد ما فهمه أبو حاتم وابن حبان من أن علي بن زيد يروي عن عيسى بن حطان!

وتنبّه الخطيب لهذا ولم يذكر علي بن زيد من الرواة عنه؛ لأنه يروي عنه بواسطة زيد بن عياض.

والحديث رواه أَبُو بَكْر ابن أبي شيبة في «مسنده» [كما في «المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية» (9/41) (1852)] عن أَسْوَد بن عَامِرٍ.

والعقيلي في «الضعفاء» (2/75) عن عَلِيِّ بنِ عَبْدِالعَزِيْزِ البَغَوِيِّ. والخطيب في «تالي تلخيص المتشابه» (1/54) من طريق محمد بن غالب تَمتام. كلاهما (البغوي، وتمتام) عن عَارِمٍ أبي النعمان محمد بن الفضل السدوسي.

كلاهما (أسود، وعارم) حَمَّاد بن سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بنِ زَيْدٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ عِيَاضٍ، عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَوْلَادُ الزِّنَا يُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي صُورَةِ القِرَدَةِ وَالخَنَازِيرِ».

وهذا حديث منكر! وزَيْدُ بنُ عِيَاضٍ أَبُو عِيَاضٍ، بَصْرِيٌّ قديم، تكلّم فيه أيوب وأنكر حديثه.

وعلي بن زيد بن جدعان ضعيف، وهو الذي نسب عيسى بن حطان هنا!

والخلاصة أن عيسى بن حطان العائذي وعيسى بن حطان الرقاشي واحد.

ومُسلم بن سلام الحنفي صاحب عليّ ليس له إلا هذه الرواية.

قال عبد الله بن أَحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (3390): قال أَبي: "مسلم بن سلام الحنفي، يُروَى عنه".

وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (7/262) (1104): "مُسْلِم بن سلام أَبُو عَبْدالملك الحنفِي".

ولم يزد البخاري على تسميته ونسبته!

وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (8/185) (810): "مسلم بن سلام الحنفي أبو عبدالملك، روى عن علي بن طلق، روى عنه: عيسى بن حطان، سمعت أبي يقول ذلك".

وتبعه على ذلك ابن حبان في «الثقات» (5/395) (5373) قال: "مُسلم بن سَلام أَبُو عبدالملك الحَنَفِيّ، يروي عَن عَليّ بن طلق، روى عَنهُ: عِيسَى بن حطَّان".

قلت: روى عن علي بن أبي طالب لا علي بن طلق!

وقال ابن حبان في «مشاهير علماء الأمصار» (ص: 200) (972): "مسلم بن سلام الحنفي أبو عبدالملك، قليل الرواية يُغرِب فيها".

قلت: لا يوجد له إلا هذا الحديث، فكيف يُغرب في روايته؟!

·       رأي الشيخ أحمد شاكر، وتعقبه في بعض الأمور!

وقد ذهب الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - في تحقيقه لمسند الإمام أحمد إلى أن الحديث من مسند علي بن أبي طالب كما أورده أحمد فيه.

قال - بعد أن خرّج الحديث وذكر كلام الترمذي، وابن كثير - (1/449): "وأنا أرجح أن رأي الترمذي ومن تبعه خطأ؛ لأنه من المُستبعد جداً أن يخفى مثل هذا على الإمام أحمد وابنه عبدالله؛ ولأن علي بن طلق اشتبه أمره على البخاري، فظن أنه شخص آخر غير «طلق بن علي اليمامي» فلم يعرف له غير هذا الحديث الواحد. وظن ابن عبدالبر أن علي بن طلق هو والد طلق بن علي، وقوّى الحافظ في التهذيب هذا الظن لاتفاق نسبهما. ولو كان هذا صحيحاً لكان علي بن طلق صحابياً قديماً مُعمراً، حتى يدركه مسلم بن سلام، بل حتى يدركه عيسى بن حطان الرقاشي، فيما يزعم الحافظ في التهذيب أنه روى عنه «على خلاف فيه». بل أنا أظن أن الحديث حديث علي بن أبي طالب كما ذكره الإمام في مسنده، رواه عنه مسلم ابن سلام، ورواه عن مسلم ابنه عبدالملك على الصواب، ثم رواه عن مسلم أيضاً عيسى بن حطان، فأخطأ، فقال عنه «عن علي بن طلق». وقد أخطأ الحافظ في التهذيب في هذا الإسناد خطأ آخر، فقال في ترجمة عبدالملك بن مسلم: «روى عن أبيه، وقيل عن عيسى بن حطان عنه، وهو الصحيح»! وهذا الذي زعمه الصحيح لم أجد عليه دليلاً، فرواية عبدالملك عن أبيه ثابتة، وإن روى عن عيسى بن حطان فتلك رواية أخرى لا تنفي روايته عن أبيه. ثم إن مجد الدين ابن تيمية الأكبر ذكر حديث علي بن أبي طالب، وحديث علي بن طلق في المنتقى، جعلهما حديثين منفصلين، برقمي 3648، 3650 وهو احتياط منه. وأما الحافظ الهيثمي فذكر حديث علي في مجمع الزوائد 1: 243 و4: 299 وقال: «رواه أحمد من حديث علي بن أبي طالب، وهو في السنن من حديث علي بن طلق الحنفي، وقد تقدم حديث علي بن أبي طالب قبله كما تراه، والله أعلم، ورجاله موثقون». وأما رواية الإمام أحمد حديث «علي بن طلق» التي أشار الحافظ ابن كثير إلى أنه رواها بإسنادين، فلم أجدها في المسند، بل لم أجد لعلي بن طلق فيه مسنداً خاصاً بما حصرت مسانيده في فهارسي، ولا فيما أتممت تحقيقه من هذا الديوان الأعظم، وهو أكثر من خمسة عشر ألف حديث، فلعله سيأتي في باقي الكتاب في أثناء مسند صحابي آخر، والله أعلم".

قلت: صوّب الشيخ شاكر فعل أحمد، وقد أصاب، لكنه خلط كثيراً في كلامه المتقدم، وعليه ملحوظات:

أولاً: قوله: "علي بن طلق اشتبه أمره على البخاري، فظن أنه شخص آخر غير «طلق بن علي اليمامي» فلم يعرف له غير هذا الحديث الواحد"!

قلت: ظاهر كلام الشيخ أن علي بن طلق هو طلق بن علي، والبخاري لا يعرف هذا الحديث من طريق طلق بن علي = وهذا يعني أنه عن علي بن أبي طالب.

وحتى لو اشتبه على البخاري فهذا ليس بدليل على أن علياً الذي في الإسناد هو: ابن أبي طالب، وغاية ما في الأمر أن الحديث رُوي من طرق كثيرة وجاء في أسانيده: "عن علي بن طلق"، ولهذا قال البخاري: "لاَ أَعْرِفُ لِعَلِيِّ بنِ طَلْقٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ هَذَا الحَدِيثِ الوَاحِدِ، وَلاَ أَعْرِفُ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ حَدِيثِ طَلْقِ بنِ عَلِيٍّ السُّحَيْمِيِّ". ومن أجل هذا قال الترمذي: "وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ هَذَا رَجُلٌ آخَرُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".

ونقل الترمذي عنه في موضع آخر: "عَلِيُّ بنُ طَلْقٍ هَذَا أَرَاهُ غَيْرَ طَلْقِ بنَ عَلِيٍّ، وَلَا أَعْرِفُ لِعَلِيِّ بنِ طَلْقٍ إِلَّا هَذَا الحَدِيثَ".

قال الترمذي: فَقُلْتُ لَهُ: أَتَعْرِفُ هَذَا الحَدِيثَ الَّذِي رَوَى عَلِيُّ بنُ طَلْقٍ مِنْ حَدِيثِ طَلْقِ بنِ عَلِيٍّ؟ فقالَ: "لَا".

فالبخاري يستغرب هذا الحديث عن "علي بن طلق"؛ لأنه لا يُعرف! والمعروف عندهم هو: "طلق بن علي"، ولهذا لم يجزم البخاري بأنه هو.

·       لم يترجم البخاري لعليّ بن طلق، وتبعه ابن أبي حاتم!

وترجم في «تاريخه» (4/358) (3136) لطلق بن علي أَبي علي السحيمي اليمامي، وقال: "لَهُ صحبة".

ولم يترجم لعلي بن طلق.

وتبعه على ذلك ابن أبي حاتم، فترجم في «الجرح والتعديل» (4/490) لطلق بن علي السحيمي، ولم يترجم لعلي بن طلق.

وخالفهم ابن حبان فترجم لعلي بن طلق الحنفي في «ثقاته» (3/262) وقال: "لَهُ صُحْبَة".

فكأن البخاري شك في وجود صحابي اسمه: "علي بن طلق"، واستغرب الحديث، وقد ذكره في الصحابة بعض أهل العلم.

ثانياً: قوله: "بل أنا أظن أن الحديث حديث علي بن أبي طالب كما ذكره الإمام في مسنده، رواه عنه مسلم بن سلام، ورواه عن مسلم ابنه عبدالملك على الصواب".

قلت: رواية عبدالملك عن أبيه مسلم رواها وكيع، وقد وهم في ذلك، فالحديث لم يروه عبدالملك عن أبيه، وإنما رواه عن عيسى بن حطان عن مسلم بن سلام كما تقدم.

ثالثاً: قوله: "ثم رواه عن مسلم أيضاً عيسى بن حطان، فأخطأ، فقال عنه «عن علي بن طلق»".

قلت: لا دليل على أن الذي نسبه فقال: "عن علي بن طلق" هو عيسى بن حطان! وهو لم يُخطئ فيه، وإنما الخطأ من بعض من رواه عنه، ومن رواه عن عبدالملك.

وإثباتنا أن الحديث حديث علي بن أبي طالب يرد قول الشيخ أحمد شاكر إذ كيف يكون الخطأ من عيسى بن حطان وهو يحدث عن مسلم بن سلام الحنفي الكوفي صاحب عليّ عن علي!

رابعاً: قوله: "وقد أخطأ الحافظ في التهذيب في هذا الإسناد خطأ آخر، فقال في ترجمة عبدالملك بن مسلم: «روى عن أبيه، وقيل عن عيسى بن حطان عنه، وهو الصحيح»! وهذا الذي زعمه الصحيح لم أجد عليه دليلاً، فرواية عبدالملك عن أبيه ثابتة، وإن روى عن عيسى بن حطان فتلك رواية أخرى لا تنفي روايته عن أبيه".

قلت: هذا ليس قول ابن حجر، وإنما هو قول المزي «تهذيب الكمال» (18/415) فإنه قال في ترجمة «عبدالملك بن مسلم»: "روى عن... وأبيه مسلم بن سلام الحنفي، وقيل: عن عيسى بن حطان، عَن أَبِيهِ مسلم بن سلام، وهو الصحيح".

ومعلوم أن ابن حجر ينقل كلام المزي ثم يزيد عليه بقوله: "قلت"، فما بعد هذا هو من كلام ابن حجر ونقولاته.

وعلى فرض أن هذا كلام ابن حجر فهو لم يخطئ، ومن باب أولى لم يخطئ المزي، فالكلام كلامه، والدليل على عدم ثبوت روايته عن أبيه أن وكيعاً وهم في روايته عنه، وخالفه الجماعة فرووه عن عيسى بن حطان عن مسلم بن سلام والد عبدالملك، وقد بينت ذلك فيما سبق.

خامساً: قوله: "وأما رواية الإمام أحمد حديث «علي بن طلق» التي أشار الحافظ ابن كثير إلى أنه رواها بإسنادين، فلم أجدها في المسند، بل لم أجد لعلي بن طلق فيه مسنداً خاصاً بما حصرت مسانيده في فهارسي، ولا فيما أتممت تحقيقه من هذا الديوان الأعظم، وهو أكثر من خمسة عشر ألف حديث، فلعله سيأتي في باقي الكتاب في أثناء مسند صحابي آخر".

قلت: يُعذر الشيخ - رحمه الله - فلم يتم تحقيق الكتاب، ولو أتمه لرأى حديث علي بن طلق وحده لا أثناء مسند صحابي آخر كما ظنّ! ويبدو أنه لما حصر مسانيد المسند في فهارسه لم يقف على مسند علي بن طلق، ولو أن الشيخ راجع كتب أطراف مسند أحمد، والكتب الأخرى لأثبت كلام ابن كثير.

وكأنه بسبب عدم وقوف الشيخ أحمد شاكر على حديث علي بن طلق في مسند أحمد قوّى ذلك عنده أن الحديث حديث علي بن أبي طالب، والله أعلم.

والخلاصة أن أحمد لم يُخطئ في إيراده هذا الحديث في «مسند علي بن أبي طالب»؛ لأن الحديث مرويٌّ عنه، وإيراده للحديث في «مسند علي بن طلق» لأن شرطه أن يورد مسانيد ما وقع من الرواية، فوقع له هذا الحديث عن علي بن طلق فأورده في مسنده.

والعجب كيف وهم كلّ العلماء، ومن تبعهم من المعاصرين في قولهم إن عليا في هذا الحديث هو: علي بن طلق!

وقد تبعوا تسميته هكذا من الرواة الذين نسبوه في روايتهم.

·       كيف يحصل الخطأ في نسبة الرواة!

ومثل هذا يحصل في بعض الروايات، فقد روى الإمام مسلم في «صحيحه» (8/158) عن الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن عبدالرحمن بن يزيدَ بن جابر، عن سُليم بن عامر، قال: سمعت المقداد بن الأسود، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تُدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم مقدار ميل...» الحديث.

وذكره الإمام أحمد جعله في «مسند المقداد بن الأسود» (39/235) (23813)، وكذا عند الطبراني في «مسند الشاميين» (1/325) (573)، وفي «المعجم الكبير» (20/255) (602)، ورواه الترمذي في «جامعه» (4/192) (2421) وعنده: "المقداد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وكل من رواه جعله من «مسند المقداد بن الأسود».

فهكذا وقع لهم، ولهذا أورده أحمد في «مسند المقداد بن الأسود»، وهو خطأ، وإنما هو: «المقدام»، وهو: المقدام بن معدي كرب، وقد سمع منه سُليم بن عامر، ولا مدخل للمقداد بن الأسود فيه.

وقد خَفي ذلك على الإمام مسلم، وذكره المزي في «التحفة» في مسنده كذلك، وكلّ ذلك وهم، وكذا من ذكر في كتب الرجال أن سليم بن عامر روى عن المقداد بن الأسود كالمزي وغيره.

قال ابن أبي حاتم في «علل الحديث» (2/218): سألت أبي عن حديث رواه الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن سليم بن عامر، قال: حدثني المقداد بن الأسود، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل»؟

قال أبي: "هذا خطأ! إنما هو مقدام بن معدي كرب، وسليم بن عامر لم يدرك المقداد بن الأسود".

وكذا قال في كتاب «المراسيل» (ص: 85) قال ابن أبي حاتم: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: "سُلَيْمُ بنُ عَاِمٍر لَمْ يُدْرِكْ عَمْرَو بنَ عَبْسَةَ، ولا المِقْدَادُ بنُ الْأَسْوَدِ".

قال الحافظ ابن رجبٍ في «فتح الباري» (2/647): "والشاميّون كانوا يُسمّون المقدامَ بن معدكرب: «المقداد»، ولا ينسبونَهُ أحياناً، فيظنُّ من سمعه غيرَ منسوبٍ أنه «ابن الأسود»، وإنما هو: «ابن معد يكرب»، وقد وقع هذا الاختلاف لهم في غير حديثٍ من رواياتهم".

وقد فصّلت في ذلك في هذين الموضعين:

http://www.addyaiya.com/uin/arb/Viewdataitems.aspx?ProductId=219

http://www.addyaiya.com/uin/arb/Viewdataitems.aspx?ProductId=201

·       هل حذف أحمد شيئاً من إسناد شعبة؟!

وثمّة مسألة أخيرة حول هذا الحديث، وهي أن الإمام أحمد لما ساق الحديث عن أَبي مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بنِ سَلَّامٍ، عَنْ عَلِيِّ بن طَلْقٍ، قَالَ: أَتَى أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَكُونُ بِأَرْضِ الْفَلَاةِ، وَيَكُونُ مِنْ أَحَدِنَا الرُّوَيْحَةُ، وَيَكُونُ فِي الْمَاءِ قِلَّةٌ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ، فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ».

ثم أتبعه بقوله: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، سَمِعْتُ عِيسَى بْنَ حِطَّانَ، يُحَدِّثُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ سَلَّامٍ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ.

ثم ساقه عن عَبْدالرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ عَلِيِّ بنِ طَلْقٍ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُؤْتِى النِّسَاءُ فِي أَدْبَارِهِنَّ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ».

فلم يذكر تتمة إسناد حديث شعبة، وأحال على الإسناد الذي قبله! وذكره كاملاً في الذي بعده! وهذا يعني أنه حذف من إسناد شعبة صاحب الحديث!

ولم يتنبه لذلك ابن حجر في «إتحاف المهرة» (11/712) فقال: "أَحْمَدُ: عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بنِ سَلامٍ، عَنْهُ، بِهِ. وَفِيهِ قِصَّةٌ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، بِهِ".

وحديث شعبة فيه مخالفة للأحاديث الأخرى! ففيه: "عَنْ مُسْلِمِ بنِ سَلَّامٍ، عَنْ طَلْقِ بنِ يَزِيدَ، أَوْ يَزِيدَ بنِ طَلْقٍ".

رواه ابن قانع في «معجم الصحابة» (2/43) من طريق مُعاذ بن مُعاذ العنبري. والبغوي في «معجم الصحابة» (3/429) (1365)، وابن أبي خيثمة في «تاريخه» (1/600) (2502) من طريق خَالِد بن الحَارِثِ. وأبو علي بن شاذان في «حديثه – الجزء الثاني» (ص: 67) (66) من طريق عَبْدالوَارِثِ بن سعيد العنبريّ. ثلاثتهم (معاذ، وخالد، وعبدالوارث) عن شُعْبَة، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ طَلْقِ بنِ يَزِيدَ، أَوْ يَزِيدَ بنِ طَلْقٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحي مِنَ الحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ، وَإِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ».

كذا رواه شعبة: «عَنْ طَلْقِ بنِ يَزِيدَ، أَوْ يَزِيدَ بنِ طَلْقٍ»، ووهم في ذلك!

وخالفه جماعة منهم: مَعْمَرٌ، وجَرِيرُ بنُ عَبْدِالحَمِيدِ، وسُفيان الثوري، وأَبُو مُعَاوِيَةَ الضرير، وإِسْمَاعِيلُ بنُ زَكَرِيَّا، وعَبْدُالوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ، وحَفْصُ بنُ غِيَاثٍ، كلهم عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بنِ سَلَّامٍ، عَنْ عَلِيِّ بنِ طَلْقٍ.

وقد ترجم بعض من صنّف في الصحابة لطَلْق بن يَزِيدَ أَوْ يَزِيد بن طَلْقٍ كما فعل ابن قانع في «معجم الصحابة» (2/43)، والبغوي في «معجم الصحابة» (3/429) كذلك!

وذكر ابن أبي خيثمة في «تاريخه» (1/361) في «مَنْ رَوَىَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم اسْمُهُ: عَلِيّ»، قال: "وعَلِيُّ بنُ طَلْقٍ"، ثم ساق حديث إِسْمَاعِيْل بن زَكَرِيَّا، عَنْ عَاصِم الأَحْوَل.

ثم ذكر (1/600) في «مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْمُهُ: يَزِيد»، قال: "ويَزِيد بنُ طَلْقٍ"، ثم ساق حديث خَالِد بن الحَارِثِ، عن شُعْبَة.

ثم قال: "كَذَا قَالَ: يَزِيد بنِ طَلْقٍ أَوْ طَلْقِ بْنِ يَزِيد، وَإِنَّمَا أَرَادَ: عَلِيّ بنُ طَلْقٍ".

وقال ابن حجر في «الإصابة» (3/437) (4303): "طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق- على الشّك.

ذكره أحمد، وابن أبي خيثمة، وابن قانع، والبغويّ، وابن شاهين، كلهم من طريق شعبة، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق، عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه وسلم، قال: «إنّ اللَّه لا يستحي من الحقّ، لا تأتوا النّساء في أستاههنّ».

هكذا رواه، وخالفه معمر عن عاصم، فقال: طلق بن علي، ولم يشك.

وكذا قال أبو نُعيم عن عبدالملك بن سلام، عن عيسى بن حطّان.

قال ابن أبي خيثمة: هذا هو الصّواب".

قلت: فرواية شعبة: «عن طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق»، وقد وهم فيها!

وظاهر تصرف أحمد كما في «المسند» أنه حذف هذا الوهم؛ لأن الجماعة خالفوا شعبة، ورووه عن عاصم وقالوا: "عن علي بن طلق".

وربّ قائل يقول: أنت قلت إن منهج الإمام أحمد أن يورد الحديث كما سمعه، وكان الأصل أن يذكره في مسند خاص، أو عدم حذفه لمعرفة كيف رواه شعبة؟!

أقول: نعم، هذه عادة أحمد، لكنه لا يذكر مسنداً بناء على وهم واضح كهذا الوهم من شعبة! وحذفه لذلك لا يؤثر؛ لأنه حذف الوهم.

وكلّ هذا بنيته على ما جاء في «مسند أحمد»، لكن تبيّن لي أنه حصل هناك اختصار في رواية القطيعي عن عبدالله بن أحمد، وهو من حذف ما يتعلق برواية شعبة.

ودليل ذلك أن ابن الأثير ساق الحديث في «أسد الغابة» (3/92) من طريق سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، قال: حدثنا عَبْداللَّهِ بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أَبِي، قال: حدثنا مُحَمَّد بن جَعْفَر، قال: حدثنا شعبة، عن عاصم الأحول، عن عِيسَى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن يَزِيدَ، أو يزيد بن طلق، عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إِنَّ اللهً – تبارك وتعالى - لاَ يَسْتَحِي مِنَ الحَقِّ، لاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ فى أَسْتَاهِنَّ».

فهذا حديث أحمد من رواية الطبراني عن عبدالله بن أحمد تامّاً.

وقال ابن كثير في «تفسيره» (1/448): "حَدِيثٌ آخَرُ- قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، وَمُعَاذُ بنُ مُعَاذٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عِيسَى بنِ حِطَّانَ، عَنْ مُسْلِمِ بنِ سَلَّامٍ، عَنْ طَلْقِ بنِ يَزِيدَ أَوْ يَزِيدَ بْنِ طَلْقٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ لا يستحي مِنَ الحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَسْتَاهِهِنَّ». وَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ شُعْبَةَ، وَرَوَاهُ عَبْدُالرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سَلَّامٍ، عَنْ طَلْقِ بنِ عَلِيٍّ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ عَلِيُّ بنُ طَلْقٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ".

قلت: فالثابت أن أحمد أورده كما هو، ولم يحذف منه شيئاً، وكأن الحذف من القطيعي اختصره، والله أعلم.

وذكر ابن كثير في «جامع المسانيد والسنن» (4/455): "حديث طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم".

قال: "أورده ابن الأثير من طريق أحمد، عن غُنْدُرٍ، عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حِطَانَ، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق، والصواب: مسلم عن علي بن طلق".

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

وكتب: خالد الحايك.

13 ربيع الأول 1443هـ.

 

دُورُ الحديث
تحقيق التراث
فوائد حديثية
المناهج والنقد
مصطلح الحديث
علوم الرّجال
علل الأحاديث
فقه الحديث
المغازي والسّير
المدارس الحديثية
أسئلة وأجوبة
السرقات العلمية
متفرقات
علوم أخرى
 
   
   الاسم
  البريد الإلكتروني
البلد
  التعليق*:

 
     
 
 
 
 
     
       
         
 
الصوتيات والمرئيات  |   الكتب  |   البحوث   |   المخطوطات   |    المجلة   |    الأرشيف
جميع الحقوق محفوظة لدار الحديث الضيائية